علاء الدين أبو زينة

"التنازلات" بين خطابين..؟!

تم نشره في السبت 23 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 02:00 صباحاً

من أبرز عناوين الخطاب الإسرائيلي الحالي عبارة "التنازلات المؤلمة". ويستخدم نتنياهو هذه اللغة المدروسة بدهاء، لوصف التصدق على أصحاب الأرض الأصليين بمحمية مسيجة مقطَّعة الأطراف ومُقعدة بالولادة، ليسجنهم فيها. وحتى بهذا المعنى، تبقى تنازلاته "المؤلمة" مجرد كلام في كلام إلى زمن غير معلوم، ويتعلق به العرب والفلسطينيون والعالم بتشوُّف العطشان في الصحراء إلى نقطة ماء من سحابة صيف.

وعن الرئيس عباس، تقول صحيفة تلغراف البريطانية إن "المفاوضات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما تزال خياره المفضل".. جميل..! وتنقل الصحيفة قوله في مقابلة مع تلفزيون العدو، إنه بمجرد إقامة الفلسطينيين دولتهم في حدود 1967، فإن "هناك شيئاً مهماً آخر سوف ينتهي: الصراع. ونحن مستعدون لذلك -لإنهاء المطالبات التاريخية". وتصف الصحيفة ذلك بأنه محاولة منه للوصول إلى الجمهور الإسرائيلي.. لطيف..! من هم "المستعدون"؟.. وما هي "المطالبات التاريخية" التي سيتنازل عنها الرئيس والسلطة –بلا حديث عن الألم- في مقابل "الدولة" في حدود 67؟!

بعد سلسلة التنازلات التي قدمها الساسة الفلسطينيون بمسار منحدر وصولاً إلى عباس، يبدو أن التنازل التالي سيكون عما يلي: حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال؛ حق اللاجئين في العودة أو التعويض؛ حق الفلسطينيين في القدس؛ حق الفلسطينيين في أن تكون "دولتهم" الموعودة، متصلة الأنحاء وبأرض وسماء وكرامة؛ بل وحتى حقهم في سرد روايتهم الوطنية في كتبهم المدرسية.!

فوق إعلان الرئيس عن استعداد "السلطة" -التي لم ينتخبها الفلسطينيون- للتنازل عن حقوق 15 مليون فلسطيني أو أكثر، من دون استشارتهم، فإن المصيبة أن لا يدرك ناطق باسم شعب أن هذا الكلام الفائض غير المفيد قطعاً، يُسجَّل فوراً على أنه إقرار رسمي من كافة الفلسطينيين بأن حقهم الذي يتمسكون به بات يقتصر فقط على "المحمية" التي سيتنازل المحتلون لهم عنها –بألم- من "حقهم التاريخي" الخاص.. لاحظوا الفرق بين التنازلين.!

لو كان كل هذا الخسف لسقف المطالب الفلسطينية، وبالتالي تعريف الحق الفلسطيني، قد جاء بأي فائدة على مدى تاريخ الصراع، لقلنا "صلّى وبارَك".. لكن الهذر الكلامي والخطاب "السياسي" غير المدروس ظل يسجل علينا باعتباره "ثوابتنا الجديدة" في الصراع، وتعريفاً معدَّلاً لما نعتبره حقنا. وأصبح كل "حق" جديد يجبُّ ما قبله. وليس من الحكمة أو البراعة السياسية القول بأن "حقنا التاريخي" هو دولة "في حدود ما قبل عدوان 1967". ومن العيب أن أتصدّى أنا أو غيري لتذكير "الأوصياء" على حق الفلسطينيين، بأن ما حدث في حزيران 67 اعتبر "نكسة"، بينما كانت خسارة فلسطين التاريخية في العام 1948 المنسيّ "نكبة". وتعني تنازلات عباس وسلطته قبولهم بـ"دولة" تحدها النكبة من ثلاث جهات، وإلى الأبد. وكذلك الإبقاء على كل فلسطينيي الشتات الذين تبيع "السلطة" وتشتري فيهم، مطرودين وموقوفين أيضاً على حدود النكبة، وإلى الأبد. فبأي حق؟!

لا يخفى على أحد جهل الساسة العرب بخطورة اللغة والمفردات، وبأن استخدامهما سلاح فتاك لا علاقة له بالجيوش أو الأعداد. وليلاحظوا براعة الصهاينة، بعدد اليهود القليل، في انتقاء المفردات والحرص على دقة الخطاب وآليات ترويجه حتى أقنعوا العالم بروايتهم. وليلاحظوا البلاغة المقتصدة: (نحن أصحاب "الحق الإلهي" في "أرض الميعاد"، من النيل إلى الفرات. جئنا لنعمر "أرضنا التي بلا سكان". نحن "الضحية" الأزلية للإبادة والاضطهاد و"معاداة السامية"). وأخيراً: (نحن عادلون وديمقراطيون، و"سوف" نقدم "تنازلات مؤلمة"، و"نمنح" هؤلاء المساكين "دولة"، شريطة اعترافهم بأن أرضنا –"التي هي حقنا الإلهي والتاريخي الذي لا جدال فيه"- لليهود وحدهم).

وفي الحقيقة، أصبحت هذه "التنازلات المؤلمة" لازمة ضرورية لتخفيف وجع معدة الاحتلال بعد 6 عقود من محاولاته المضنية، والفاشلة، هضم أكثر من 5.5 مليون فلسطيني في الضفة وغزة وداخل الخط الأخضر، وشطب 10 ملايين آخرين في الشتات، لم يتحدثوا إطلاقاً عن "استعداد للتنازل عن الحق التاريخي". ولذلك خرج المحتلون من غزة، ويتحدثون عن "محمية" في الضفة و"ترانسفير" من الداخل.

سادتي، انتبهوا لخطورة اللغة، وتعريف "الحق". كفوا عن لهجة التسوّل، واحذروا جداً من مسؤولية التصرف بالحق التاريخي للفلسطينيين. وبدل استجداء السلام ممن لن يعطيه، جربوا إحياء خطاب البدايات.؟

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يا ويل تجار الشعب يا ويل (Nadeen)

    السبت 23 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    ليس جديدا على السلطة غير الشرعية و المسماة زورا و بهتانا السلطة الوطنية ان تستمر في عرض تنازلتها التي باتت مثيرة للغثيان و للخزي في نفس الوقت .. فأمام العالم فان رئيس هذه الطغمة يعتبر المتحدث باسم الشعب و كلامه - نظريا - هو لسان حالهم ! و لكن لمن لا يعرف الشعب الفلسطيني اقول : ليس عباس ولا اي سلطة ولا امة الثقلين قادرة على ان تلغي حقنا في العودة الى ارضنا بجرة قلم معروف ان ثمن هذه الجرة مدفوع بالعملة الصعبة في حسابات البعض في سويسرا و البهاما .. اقول ان هذا الشعب الذي يعرض عليه التوطين كل يوم مقابل التنازل عن ارضه ارتضي العيش في المخيمات على مدى 62 عاما بكل ما فيها من الواح زينكو و مجاري و مزابل و لكنه لم يرتضي يوما الذل و الهوان و اصر على ان حق عودته هو حق مقدس غير قابل للتفاوض ولا التنازل .. الشعب الفلسطيني الذي كان و ما زال و سيبقى يكتب اسطورة نضاله و مقاومته بدم ابنائه و رجاله و جماجم اطفاله و دموع امهاته و انات جريحاته لن يرضى ان يكتب في يوم حرفا في وثيقة تنازل او حتى تهاون في الدفاع عن ارضه ..

    فليست اقلامهم هي من تصنع القدر الفلسطيني بل ارادة شعبه الذي تكسرت على صخرة صموده كل امواج المؤامرات و الخيانات و لا بد انها ستكسر دون رحمة رؤوس كل اولئك المتنازلين المخادعين الذين لا يعلمون أن جمر الشعب الفلسطيني لا يهدأ و أن غطاه الرماد حينا.
  • »صباحكم جوري (ملك)

    السبت 23 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    دوما تعطينا مساحات لنخرج بركان غضب داخلنا ان له ان ينفجر..تعبنا من تقديم التنازلات اما ان الاوان ان نستريح .. تعليق سابق من مقاله لك ذكرت فيها قصه الحمار...كنت قد قلت لك اني خائفه من يوم يسلم فيه صاحب الحمار حماره للماشي لايمانه الكامل ان للماشي الحق فيه وانه اي صاحب الحمار قد سلبه منه يوما ... عندها لن تنفع اي خطابات واي لهجات..وطننا مذبوح..مثقل بجراح نحن من سببها له...دمت ودام قلبك الذي ينبض بحب فلسطين ...ملك
  • »حق ... (حنان الشيخ)

    السبت 23 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    أستاذ علاء ...
    هذه ثاني مرة أسمح لنفسي بالمرور عبر صفحتك , فأنا لم أتمالك نفسي أمام خطاب الغضب الذي عبر عن سخط كبير أمام حالة الاستهانة و اللااحترام التي يمارسها " متكلمون "...
    عن أي حق بالضبط أنا لم أفهم !
    عن حقي أنا مثلا في العودة ؟ عن تقرير المصير ؟ عن القدس عاصمة أبدية ؟ عن ماذا ؟؟
    ألا يعلمون أن هذا الحق لا يفنى بالتقادم ولا يباع بصفقة اسمها الدولة ؟ هذا الحق ليس بوسع أي كان تمييعه وإسقاطه, لأنه ببساطة حق شخصي لكل فلسطيني في الداخل و الخارج وليس حقاً عاماً يمكن التنازل عنه بالتمثيل السياسي. ما صدر عن تصريحات عباس ينم عن خطوة خطيرة أجرأ من لغة التصريح نفسها . و قبلها كان بالون ياسر عبد ربه الذي انفجر بوجهه. و بما أننا نتحدث عن قضية اللغة فأنا أعتقد أن دورا تاريخيا بانتظار مثقفينا و متنورينا و مفكرينا المبعثرين بلا سقف يضمهم , للتوقف أمام هذا العصف اللغوي المتورط في النشاز , و اجبار متسولي الألفاظ المعقولة على احترام عقول القارئين و المهتمين الجادين , و لو كانوا خارج دائرة "القرار "
    شكرا مرة أخرى على هذا المتنفس ...