كشمير سودانية وكونغو إفريقية جديدة

تم نشره في السبت 23 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

عندما تأسست الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الزعيم الراحل جون قرنق عام 1983 والذي سقط في حادث تحطم طائرته بظروف غامضة، وحتى توقيع اتفاقية نيفاشا عام 2005 بين الشمال والجنوب بعد حرب اهلية دموية طويله سقط فيها اكثر من مليون ونصف المليون قتيل وشردت مئات الالاف ودمرت مدن وقرى باكملها. قبل أطراف النزاع الشماليون والجنوبيون وقف القتال والانخراط في عملية شراكة قسرية للطرفين على الصعيد السياسي مع بقاء كل من الطرفين محتفظا بقواته المسلحة واجهزته الامنية والادارية والسيطرة على الاقليم. وجاء الاتفاق بعد كل هذا الصراع الطويل وعدم وجود القدرة على الحسم العسكري من قبل الطرفين وبضغوط دولية، وخاصة اميركية، كان لها دور رئيسي في التوصل الى اتفاقية نيفاشا ووقف القتال، وعلى ان يختار الجنوبيون في استفتاء يجري في مطلع العام المقبل حق البقاء او الانفصال عن السودان. اضافة الى حق الاختيار لسكان منطقة أبيي الغنية بالنفط والموارد الطبيعية وخاصة المياه والمراعي في الانضمام اداريا لحكومة الخرطوم أو لحكومة الجنوب، أيضا في استفتاء يجري متزامنا مع الاستفتاء العام كما نص على ذلك بروتوكول أبيي الملحق باتفاقية نيفاشا.

ولكن يبدو ان اتفاقية نيفاشا كانت هدنة لكل من الطرفين الشمالي والجنوبي وايضا لاطراف اقليمية ودولية، حيث اتضح انها كانت مرحلة اولية وصولا الى الهدف النهائي وهو الانفصال.

الوحدة و الانفصال نموذجا

توحدت المانيا بعد سقوط جدار برلين من دون حرب اهلية ومن دون اجتياح عسكري، بعد ان قرر الألمان بانفسهم ومن خلال صناديق الاقتراع خيار الوحدة وبشكل طوعي وحر، وتشكلت دولتان من تفكك تشيكوسلوفاكيا سابقا من دون اراقة دماء ومن دون اللجوء الى المحاكم الدولية او مجلس الامن او قوات فصل دولية ومن دون نزع جنسيات المواطنين ومصادرة املاكهم وتهجير قسري للسكان ومن دون مطالب تاريخية وحلت قضايا الجنسية والديون والممتلكات العامة والحقوق المكتسبة للشعب وفقا للاتفاقيات الدولية (اتفاقية لاهاي لعام 1932 واتفاقية جنيف لعام 1971). والقائمة طويلة من لاتفيا واستونيا ووصولا الى كازاخستان حيث تعيش اقلية روسية تتراوح نسبتها بين 30 % الى
50 % من عدد السكان في هذه الدول ولم نرصراعات دولية ولا حروبا اهلية.

لا يجادل احد في النموذج السويسري ولا في ديمقراطية الهند ولا في سيادة القانون في الاتحاد الاوروبي ولا في حضارة وثقافة الاستونيين واللاتفيين ولا في رقي
و حضارة سكان براغ وسلوفانيا.

كونغو جديدة افريقية :

من وجهة نظر حكومة الخرطوم فإنه سيتم احترام اختيار الجنوبيين في الانفصال وتنفي الخرطوم تصريحات بعض الوزراء حول طرد مليون ونصف المليون جنوبي موجودين في الشمال اذا صوتوا للانفصال، رغم ما يشكل هؤلاء من قوة شرائية للسوق السوداني وقوة عاملة اضافة الى أبعاد ذلك الطرد اقليميا ودوليا بما في ذلك تجدد الحرب بين الشمال والجنوب. ولكن يبدو ذلك جزءا من الحملات الاعلامية المتبادلة ومحاولات التاثير على الناخبين الجنوبيين سواء الموجودين في الشمال او الجنوب او الخارج.

وفي هذا السياق ومن وجهة نظر الخرطوم فان كونغو جديده قادمة بمعنى ان دولة الكونغو وما يعرف عنها في افريقيا كونها من الدول الفاشلة عالميا حيث المذابح بين القوميات والقبائل والاديان وحيث ان حركات التمرد والعصابات تسيطر على اجزاء من الحدود مع الدول المجاورة وحيث غياب التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

كل المعطيات السياسية والامنية والعسكرية في السودان وفي عواصم القرار الدولي وخاصة المواقف المعلنة لاميركا حول موضوع اجراء الاستفتاء العام حول البقاء او انفصال الجنوب عن السودان تنبئ ان انفصال الجنوب قادم لا محالة وبغض النظر عمن سوف يتحمل المسؤولية التاريخية والسياسية امام السودانيين حول ذلك.

ومن وجهة نظر حركة التحرير الشعبية وقائدها سلفا كير، فإن موعد الاستفتاء مقدس ويجب ان يجري في موعده ويجب احترام نتائجه ولا يخفى على احد ان اجتماعات واشنطن أي الاجتماع الذي ضم سلفا كير وعثمان طه مع الرئيس الاميركي وتصريحات الرئيس الاميركي اوباما ومن قبله وزيرة الخارجية كلينتون والسفيرة الاميركية رايس كلها تؤكد دعم اميركا واوروبا وحتى افريقيا لاستقلال الجنوب عن السودان.

وسوف تعترف اميركا واوروبا ومعظم دول العالم بالدولة الجديدة وبل سوف تقدم مساعدات لها، مع ان المساعدات العسكرية والمالية تتواصل الى الجنوب بما في ذلك الطائرات والدبابات والاسلحة من اميركا عبر دول افريقية وعدة شركات اميركية ومن خلال شركات افريقية وذلك لاسباب دينية وسياسية وتاريخية. و ان كان الجنوبيون يتخوفون ان تتراجع الولايات المتحدة الاميركية واوروبا عن دعمهم بعد الاستقلال وخاصة ان منطقة الجنوب تحتاج الى عشرات البلايين لاقامة البنية التحتية وتحتاج الى خبرات عالية لبناء الدولة ولعشرات السنوات لاقامة شبكات المياه والكهرباء، ومحو الامية التي تبلغ اكثر من 70 % من عدد السكان البالغ عددهم 8 ملايين في الجنوب، حتى ان جيش التحرير السوداني ما هو الا جماعات متناحرة تسودها ولاءات قبلية ولذلك يتخوف الكثير من الجنوبيين من قدرة الدولة الجديدة على البقاء والاستمرار من دون تعاون وثيق مع الخرطوم. ولا يخفي هؤلاء تصوراتهم لصيغ اخرى للوحدة مع الخرطوم بما في ذلك خيار اللامركزية او الموافقة على اقتراح اثيوبيا حول تداول الرئاسة والسلطة في السودان واعطاء الجنوبيين 70 % من الموارد النفطية وتطبيق واسع للامركزية في السودان.

شيكات واشنطن بلا رصيد

اذا كان القادة العرب في مدينة سرت قد قرروا تقديم بليون دولار كمساعدة للسودان وقرروا التأكيد على وحدة السودان، وهم يدركون جيدا وجود قرار دولي يدعم الانفصال خاصة وان مشروعية الانفصال تأتي من اتفاقية وقعتها حكومة الخرطوم.

وفي هذا السياق تبدلت السياسة الاميركية تجاه السودان بعد ان كانت عام 2005 تريد التوصل الى وقف لاطلاق النار وشجعت الحوار بين الطرفين وشجعت ودعمت المحافظة على وقف اطلاق النار خلال السنوات الماضية، وبعثت باشارات الى حكومة السودان حول نية الولايات المتحدة مكافأة السودان اذا وافق على احترام نتائج الاستفتاء برفع العقوبات عن السودان وعودة الشركات الاميركية وتدفق الاستثمارات الاميركية وتقديم مساعدات اقتصادية وانسانية ودعم جهود المصالحة في دارفور، ولكن من دون اي وعود حول وقف مذكرات التوقيف الدولية الصادرة عن المدعي العام الدولي بحق الرئيس البشير.

و يعتقد السودانيون ان وعود اميركا ما هي الا شيكات من دون رصيد وتم تجريب ذلك سابقا.

كشمير سودانية جديدة

نصت اتفاقية نفاشا على اجراء استفتاء في منطقة أبيي التي تقع في جنوب ولاية كردفان السودانية وهي غنية بالنفط، والموارد الطبيعية وخاصة المياه وحقول الرعي للقبائل السودانية في تلك المنطقة، كانت منطقة أبيي مسرحا للعمليات القتالية بين الطرفين، وقد تم تدمير قرى ومدن المنطقة بالكامل وهجر معظم اهلها الى الجنوب السوداني. وباقتراب موعد الاستفتاء، حول مصير منطقة ابيي الغنية بالنفط سادت خلافات حادة بين حكومة الخرطوم والجنوبيين في المباحثات الجارية في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا برعاية اميركية حول من يحق له التصويت لتقرير مصير منطقة ابيي، حيث يصر الجنوبيون ان ذلك محصور في قبيلة الدينكافوك بينما تقول حكومة الخرطوم بحق قبائل المسيرية العربية بالتصويت، وتقول الخرطوم ان قبائل المسيرية هم من سكان المنطقة وان استبعادهم لن يقبل اطلاقا. وهذا يعني ان للسودان حقوقا في حقول النفط وفي منطقة أبيي. وذهبت الخرطوم أبعد من ذلك وعلى لسان وزير الدفاع السوداني الفريق عبدالرحيم حسين فاكو الذي اكد "ان المسيرية لن يضاموا ... ولن تهدر حقوقهم مادام في حكومته عرق ينبض".

ولا تستبعد بعض اطراف المعارضة السودانية قيام الحكومة السودانية باحتلال مناطق النفط في أبيي للمحافظة على الامن والاستقرار وعلى ثروات البلاد. ولكن من وجهة اخرى يقول الجنوبيون إن قبائل المسيرية ليست سوى قبائل عربية رحل كانت تأتي للمنطقة للرعي في مواسم الجفاف من الشمال ثم ما تلبث ان ترحل وانهم لم يكونوا من سكان المنطقة

ورغم محاولات اميركا عبر السفيرة رايس تقريب وجهات النظر بين الطرفين حول موضوع منطقة أبيي وتقديم مقترحات عديدة بما فيها تقسيم المنطقة او حق المسيرية في الاقامة مع تبعية ابيي للجنوب الا انها قوبلت برفض الطرفين في ذلك.

امام اصرار الخرطوم على ادخال قبائل المسيرية وحقهم في التصويت لتغيير المعادلات السياسية القادمة حول منطقة ابيي وحول اصرار الحركة الجنوبية على انهم بدو رحل وليس لهم حق تصويت، والفشل في تشكيل مفوضية الانتخابات في ابيي ومن يحق له التصويت ورفض الجنوبيين تأجيل موعد الاستفتاء الا لاسابيع قليلة وفي ظل التحشيد السياسي والشعبي في الجنوب الداعم لفكرة الانفصال؛ هل نحن امام بروز كشمير اخرى جديدة؟

*أستاذ القانون الدولي في جامعة الزيتونة الاردنية

التعليق