"مقرات" المرشحين من إيحاء الخيمة إلى وهم المدينة

تم نشره في الجمعة 22 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 02:00 صباحاً

من منظور علم الاجتماع السياسي؛ ثمة علاقة تفاعلية المعاني سياسيا بيننا كعرب وبين بيوت الشَعر تاريخيا، كونها بيوتا للتقاضي العشائري وللضيافة معا، وهي علاقة يعرفها وبعمق كبار السن من أهلنا؛ إذ إن حجم ومساحة هذه البيوت المتنقلة حسب المواسم، إنما كانت تُعبر ضمنا عن المستوى الاقتصادي والاجتماعي لأصحابها المتنفذين عادة من قِبل الناظرين لهذه البيوت عادة.

بيوت الشعر تلك كانت تُصنع محليا وبصورة متزامنة مع نوعية الحيوانات التي كان يربيها الإنسان العربي في حياته، وتعبر أيضا عن التحديات البيئية التي كانت تلازمه بدءا من وبر الإبل في مرحلة عيشه في الصحراء أولا، ومرورا بشعر الماعز في مرحلة عيشه لاحقا في البادية، ثم تطورت هذه الصناعة الأساسية في حياته وبيئته إلى أن أصبح تصنيع الخيم من أصواف الماشية.

أما حاليا، أي في "المدينة"، فقد أصبحت الخيم الأكثر شهرة في حياة مدننا والمرشحين فيها هي الصواوين الهندية المستوردة، وبهذا تصبح عملية الاستيراد هذه اولى خطوات التخلي عن الاكتفاء والصناعة الذاتيتين وعن نمط الحياة الخاصة والمميزة لإنساننا العربي.

بمناسبة انتشار حمى وعدوى الترشيح كأعراض مصاحبة للانتخابات النيابية، فقد بدا واضحا أن المرشحين لاسيما في المدن قد أصبحوا يواجهون صراعا وتنافسا حادين في يومياتهم المرهقة ماديا ومساحيا. الأول عبر سعي المرشحين لتسويق أنفسهم عند الناخبين المهمين مؤقتا، لذا فهم الآن مرتاحون في صدر الصواوين، التي غزت بدورها مدننا الواعدة في مزاحماتها الصارخة للفلل ولمعاني الاستقرار الحضري عموما، أي لحين الانتهاء من إعلان النتائج الرسمية للفائزين من المرشحين.

أما الصراع الثاني فيتجلى بالسعي الدؤوب من قبل المرشحين وممثليهم لتوفير سبل الراحة النوعية في صواوين الناخبين الذين اصبحت أسماؤهم تُسبق وبكل أدب مصطنع بلفظ السيد الناخب فلان.

يحرص المرشحون على تكبير أحجام صواوينهم للمبالغة بمكانتهم الاقتصادية والتنافسية الصارخة في سوق الانتخابات كجزء من عمليات العرض والطلب بين ثنائية الناخب والمرشح ولكن بمستوى خدمات راقي.

ولعل اللافت أيضا هو ما يجري على مرمى أبصارنا من صراع مضاف ومستمر بالمعنى الحضاري والسلوكي الذي يعيشه مجتمعنا الأردني والعربي المسلم عموما بين "أهل الوبر وأهل الحضر"، كما يقول العلامة ابن خلدون.

"أهل الوبر"- ونعبر عنه هذه الأيام بالبدوي الذي يعيش بداخل كل واحد منا من الجنسين، مرشحا كان أم ناخبا، وبين أهل الحضر المفترضين الذين هم ليسوا نحن وان سكنا في "مدينة ما" يفترض بنا التصويت لمرشحينا ليس حسب مساحة صيوانه أو من خلال عدد وجبات الديمقراطية الساخنة "الكنافة" التي يقدمها هذا المرشح أو ذاك، بل وفقا لبرنامجين إصلاحيين مترابطين؛ اقتصادي واجتماعي، من شأنهما أن يرتقيا في مستوى حياتنا كناخبين وتحت مظلة الرقابة النيابية الصارمة لإدارة شؤون الحياة أردنيا.

أخيرا هل يعبِّر، بالضرورة، ما يجري تحت صواوين المرشحين من تعاليل، وهدر لمورد الوقت النادر، وتبادل للصفقات مع الناخبين وخدماتهم الآنية المبالغ فيها، عن مدنية العملية الديمقراطية كغازية حضارية لثقافتنا العربية الإسلامية؟!

[email protected]

التعليق