مصر "تحت الاختطاف"

تم نشره في الجمعة 15 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 02:00 صباحاً

مصر حصان العربة الثاني مع الشام، منذ أن دخل ابن العاص أرض الكنانة، وأمر اللهُ الناس بدخولها آمنين مطمئنين، وحتى صارت حصن صلاح الدين قائد تحرير القدس ممن اختطفوها لأنفسهم، كي تعود لجميع أتباع الرسالات كافة.

مضت مع التاريخ لدورها جزءا من الوجود العربي الذي جمعه الإسلام بقدر ما أعطاه من اتساع. وتظللت ثانية بإمبراطورية المسلمين من بني عثمان، ثم مدت يدها شريكاً لقيادة الأمة ما إن استقرت في عهدة محمد علي الكبير ومشروعه النهضوي.

تجاوزت مصر كل الرطانات التي دخلتها في عهود خلت؛ من جاءوا مع الاسكندر، ومن صاحبوا القياصرة، ومن وصلوها عبيداً فهيأت لهم شكيمتهم قيادة جيوشها والجلوس على عروشها، إلى آخر رطانات البلقان حتى وان جاءتها مسلمة. كل الرطانات التي ورثتها مصر عبد الناصر حتى منتصف القرن الماضي، لم تخرجها عن مشروع ابن العاص ولا عن رؤية صلاح الدين او طموح محمد علي الكبير.

ظل اختطاف مصر مشروع خصوم العرب وخصومها منذ قيام الدولة العبرية إبعادا لها عن جذورها، وهي تعاندهم لا تخرج عن سياقها العربي الذي يأبى الانتظام بعيداً عنها. يوماً بعد يوم لا يكل خصومها عن الإمعان في محاولات اختطافها من نفسها أيضاً، فيغيبون طبقتها الوسطى لتخلف فراغاً قابلاً للاشتعال بين طبقة معدومة وأخرى يُتخمها الثراء، ويمضون في إشعال الفتنة الطائفية لضرب الوحدة الوطنية وتهديد مستقبل مصر في المدى البعيد.

ما يجري على صعيد رعاية الفتنة الطائفية في مصر لا يمكن فصله عما يجري حولها من إعادة فتح ملف اقتسام مياه النيل، الى الاستفتاء على انفصال جنوب السودان. يريدون دولة في جنوب السودان تتبعها دولة في جنوب مصر يكملون بها فصل مصر والنيل عن بعضهما، وتكون الخسارة مضاعفة، ويغرق الجميع في تحديات مستجدة تستنفد المزيد من الطاقات وتشتت الجهود.

غير مقدر للأمة أن تنهض على نحو ما تطمح، إن لم تشرع بإسعاف مصر لإعادتها لنفسها ولأمتها، ولا أن تستعيد دورها بغير عودة قوية لمصر بوحدتها الوطنية أرضاً وشعباً تنتشلها مما تعانيه من اختطاف يريد أن يكرر ما هو جار في اليمن، ويتعمق يوماً بعد يوم في العراق، ولا يستبعد سورية التي كانت على القائمة، ويتطلع من بعدها للجزيرة العربية يعمل بها تقطيعاً.

لا بد أن تعيد مصر صياغة مشروعها القطري والقومي دونما تأجيل أو تردد لمواجهة تحديات المشروع الإسرائيلي، وشبح التقسيم في الجوار، ونزاعات المياه المتجددة. واستعداداً كذلك لاستحقاقات الداخل، لبناء الدولة الديمقراطية ودولة المواطنة والمجتمع المدني والتنمية التي تليق بتاريخ مصر. ومن حقها أن تنتظر مع كل ذلك وبه وقفة اشقائها وأصدقائها للأخذ بيدها لتعود نوعاً وكماً كما كانت دائماً لا كما يريدها المختطفون.

مصر في الذاكرة والأمل هي 6 تشرين الثاني (اكتوبر) 1973 التي مرت ذكراها قبل أيام. وسوف تذهب محاولات اختطافها وتغييبها عن تاريخها وانتمائها ادراج الرياح، لتبقى مع الشام حصان العربة الثاني دوماً، حرباً وسلماً ومشروعاً نهضوياً يثري تقدم الأمة ويبني لها أنموذجاً من التضامن والتكامل الشامل.

[email protected]

التعليق