أرعدت العرب في سِرْت..!

تم نشره في الأربعاء 13 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 02:00 صباحاً


أما نبَّهتكم التطورات الأخيرة؟ ألم تجدوا فيها سبباً للتهليل والجذل؟ لقد "أعطى" العرب المخيفون "واشنطن" - ولا أقل من واشنطن- "مهلة شهر للخروج من مأزق الاستيطان"، حسب عناوين أخبار يوم السبت الماضي.. وكان ينبغي أن ننتبه جيداً وأن نهلل كثيراً لهذا التطور، لأن الجملة التي تبدأ بـ"مهلة" تأتي دائماً متبوعة بما سيأتي بعد المهلة، على طريقة الجملة الشرطية. ويأتي جواب جملة "مهلة" عادة مبدوءاً بكلمة "وإلا"... فمثلاً: قال بوش الكبير لصدام حسين في العام 1990: نعطيك مهلة للخروج من الكويت، وإلا... وجاءت "وإلا" تلك في شكل عاصفة صحراوية كنست البلاد والعباد، ولم تبق ولم تذر. ثم أعطى بوش الصغير مهلة لصدام أيضاً لكشف "أسلحة الدمار الشامل" والخروج من العراق "وإلا"... وجاء الاجتياح ومطاردة الزعيم العربي وخنقه بحبل. وأعطت أميركا مهلة للمُلا عمر حتى يسلم أسامة بن لادن، "وإلا".. وأمطرت كابول بالطائرات، وما يزال القتل مستمراً.. ويعطي الصهاينة المحتلون للفلسطينيين مهلة لنفي أنفسهم وإخلاء منازلهم، "وإلا".. ثم يأتي الهدم الوحشي للبيوت على ما فيها.. وهكذا..!

ولأن العرب فطنون أكثر من هؤلاء وأولئك ويحبون المفاجآت، فقد أعطوا "مهلة لواشنطن"، وتركوا "وإلا" متبوعة فقط بصمت ماكر حتى تظل التبعات على الأميركيين غامضة ومفتوحة على الاحتمالات. وبذلك يزيد رعب واشنطن وصدمتها، وتبقى نهباً للقلق والتحسُّب طيلة شهر كامل.. أما المخفي في جراب الحاوي العربي، فنفس الأرنب المذعور الذي يخرج في كل عرض مقرفصاً ومعلقاً من أذنيه.. وسيكون أعلى ما في خيل العرب ليركبوه -بعد المهلة- شيئاً من قبيل: "وإلا، أمرنا الفلسطينيين بالخروج من المفاوضات".. أو: "وإلا، شجبنا الاستيطان وتوسلنا الأفارقة حتى يستنكروه معنا أيضاً!"

يا لطيف.! وكان الله في عون واشنطن وحكومة نتنياهو مما سيصيبهما من البلاء والضُرّ إذا انسحب عباس من المفاوضات وحرد العرب. ويا لرعب العرب حين يحردون، فيجهلون "فوق جهل الجاهلينا".. سيكون ثمة المزيد من الرعد بلا مطر.. وسيقول العرب والفلسطينيون: "بطَّلْنا نتفاوض".. أما عبارة: "ولم نعد نريد سلاماً مع عدو لا يريد السلام" فسيسكتون عنها نكاية.. ويعلم العرب، بالطبع، أن أحداً لم يعد يأبه بهذا الرعد الكلامي فيتكلف عناء البحث عن معطف أو مظلة.. وسيفرح نتنياهو بالخروج من المفاوضات سالماً وقد ألقى على العرب "العدائيين" مسؤولية تخريب السلام..

لقد أصبحت إعلانات العرب الساذجة والكوميدية مكشوفة حدَّ الفضيحة ولم تعد تليق.. وأقرب ما يستدعيه عنوان "مهلة واشنطن" هو صورة كائن كبير الحجم، لكنه هلامي ومائع وفاقد الهمة، "يتهدَّد" على جيش من الأجلاف المدججين، ويعرف الكل أنه سيفرط قبل الاشتباك. والله يعلم لماذا يشتري أحد لنفسه الحرج بالنقود وعقد المؤتمرات وإصدار البيانات، من دون إتباع "وإلا" ببديل ذي معنى ويمكن أن يقنع أحداً؟!

يعزّ على المرء أن يتحدث عن قومه هكذا، وليتني ما لاحظت خبر المهلة المذكور فأضحك من القهر، وهو خبر لا ينبغي أن يستوقف أحداً. لكننا يقهرنا إصرار أولياء أمرنا على الاستمرار في تجريد هذه الأمة الكبيرة من شخصيتها، ومن ملابسها وهيبتها، وتركها مكشوفة أمام العالم على هذا النحو المخجل. وكم يكون الانسحاب بلا إنشاء وبيانات بلا معنى أحفظ لماء الوجه وأكرم للمرء أحياناً.

على كل حال، ما دامت المهلة التي أعطيت لواشنطن مفتوحة النهاية على الاحتمالات، وبينما تقضي واشنطن الشهر المقبل نهباً للكوابيس بسبب توابع "وإلا" العرب، فإنني أقترح أن نستغل نحن أيضاً هذه الفسحة فنتسلى، ونكمل العبارة بعد "وإلا" بما نشاء من الأمنيات: "وإلا حرمناكم من الميراث"؛ "وإلا قطعنا علاقاتنا الدبلوماسية معكم وطردنا سفراءكم"؛ "وإلا زرعنا قمحنا واستغنينا عن قمحكم وفئرانكم"؛ "وإلا انحزنا عنكم والتجأنا إلى حضن شعوبنا التي لن نخونها ولن تخوننا"؛ وما شئتم من الممكنات التي يصرون هنا على وضعها في خانة المستحيلات.

المهم أن الناطقين باسمنا تمخضوا فَولَدوا تهديداً لواشنطن أخيراً، وأعطوها "مهلة، وإلا".. فقد أرعد العرب إذَنْ في سِرْت، وبقي أن تضرب صواعقهم وتزخَّ أمطارهم. وحتى ذلك الحين: هلِّلوا.. هلِّلويا..!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشعوب الميتة (مجدي ج)

    الأربعاء 13 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    كلمة (الا) لا توجد في قاموس الشعوب الميتة. فاللوم ليس على الحكام فقط, فهناك قسم كبير من المسؤولية على الشعوب, فشعوبنا لا تقرأ و العنصرية و القبلية تنخرنا و أبنائنا استبدلوا لسانهم العربي بافرنجي.
  • »يا امة ضحكت من جهلها الامم (محمد ابراهيم الرواشده)

    الأربعاء 13 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    ازدهار ضعفنا نحن االعرب يعتمد على استمرارنا الكلام و الحديث عن المفاوضات و بدائل العرب .
    و لان في شر البلية ما يضحك فاننا نجد في مناسبة هذا الجديث دلالة على هوان العرب و ضعفهم كلما اطلت قمة عربية براسها لتعلن من جديد افلاس العرب و تردي حالهم ... ويلنا عليكي يا جامعة العرب ...
  • ».. (هيثم الشيشاني)

    الأربعاء 13 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    أي منيح منا أستاذ علاء!
  • »نحن شعوب تتهدد ولا تهدد (غادة شحادة)

    الأربعاء 13 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    لو تقاس قوة الشعوب بالكلام لاخذنا لقب اقوى شعب في العالم بلا منازع لاننا نجيد الكلام اكثر من اي شئ قرون وسنوات ونحن نهدد ونتوعد مالذي نتج عن تهديدنا ووعيدنا؟اغلب الظن ان رجالات واشنطن يجلسون عند البارات يتندرون على المهلة العربية وهم يضربون كؤوسهم وكاننا وسيلة تسلية المثير للحنق ان حكوماتنا العربية تضحك على نفسها وهي تعتبر هذه المهلة انجازا فيما هي ضربة موجعه للكرامة العربية اذ مالذي يستطيع العرب فعله؟ فكروا معي قليلا هل يستطيعون ضرب القواعد الامريكية المنتشرة على الاراضي العربية؟ هل يستطيعون شن غارات على المنشأت الاسرائيلية التي تتباهى بصلف على ارض فلسطين؟ من الافضل لنا ان نفيق من حلمنا هذا ونصحو ونرى الواقع الماساوي الذي نعيش فيه ونكتشف حقيقتنا المرة والتي تقوم على اننا شعوب تتهدد ولا تهدد