هاني البدري

السياحة العلاجية.. احذروا الموت الإكلينيكي

تم نشره في الاثنين 11 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 02:00 صباحاً

ما نزال نُمعنُ منذ عشر سنوات في تأكيداتنا للأشقاء العرب، أننا الأفضل طبياً في الشرق الأوسط، ونُقنع أنفسنا أن خدماتنا الطبية التي لا تُنافَس في المنطقة وتضاهي دولاً كبرى في العالم، هي واقعٌ أزلي أكسبتنا إياه الخبرة وسنوات العمل والتفوق، ولا مجال لأن تتقهقر أو تتراجع، لأن كل المشاريع الكبيرة أو التي تحلم بالنضوج والنمو مُعرَضَةٌ في أي لحظة لقرار خاطئ يؤدي لوفاة إكلينيكية.

فما لا أفهمه حتى اللحظة، إلا في سياق انتشار الموضات و"الصرعات" الدائم في بلدنا.. هذا الاهتمام غير المسبوق من قطاعات الناس والأعمال كافة بشعار المرحلة، "السياحة العلاجية في الأردن".. فالمجلات المتخصصة بالقطاع الطبي أصبحت بالعشرات، والمواقع الإلكترونية تعدت المئات، فيما المعارض والمؤتمرات الخاصة بالسياحة العلاجية باتت أكثر من مؤتمرات تحريك عملية السلام في الشرق الأوسط.

أصبحت السياحة العلاجية حلم الكبير والصغير للكسب والشهرة.. المستشفى والعيادة والمركز الطبي وطبيب الأعشاب، ومن يداوي بالطاقة والآخر الذي يخز الإبر.. بل الأدهى أنها أصبحت أيضاً حلم الحكومة فباتت وزارة الصحة تسعى لمزاحمة القطاع الخاص الأردني في الحصول على نصيب من (كعكة) السياحة العلاجية، ودعوني قبل أن أحاول تفسير الحلم الحكومي أن أتساءل.. كيف لنا ونحن ندرك مواطن الضعف ونقاط الركاكة و(أُس) الفشل في قطاعٍ كان يوماً بيد الحكومة، أن نُعيد الكرة على عكس كل استراتيجيات الخصخصة في العالم، فنسعى لعمعمة قطاعٍ سياحيٍ طبيٍ ناجح عبر أدوات حكومية أثبتت فشلها لسنين طويلة، في إصلاح مصعد في أحد المستشفيات أو التغلب على إهمال أو تقصير أدى الى ضحايا في مستشفى آخر، ثم نريد أن نقنع الآخرين في الجوار بصدق روايتنا بأننا ما نزال أفضل من يقدم الخدمات الطبية لهم..؟!

وكيف لنا أن لا نُشعر الجوار أن ثمة تصارعٍا جليا بين الحكومة والشعب الذي هو القطاع الطبي الخاص الوطني، الذي أثبتت التجربة نجاحاته وقدراته.. تنافسٌ فج على "اللقمة الطرية"، ونذهب بعيداً في حربٍ لا خاسر فيها الا البلد والطرفان طبعاً..

كيف لنا أن نُقحم القطاع الطبي العام وهو المطلوب منه أن يعزز قدرات المستشفيات الحكومية لخدمة المواطنين أولاً..والتغلب على مشاكل أزلية وعوائق مستمرة في بعض المستشفيات، ونطلب منه أن ينافس على السياحة العلاجية..

هو أمرٌ بالمناسبة يدعو للاعتزاز، ولكن علينا أن ننجح في خدمة مرضانا أولاً والتصدي لمسؤولياتنا..قبل أن نتوجه لخدمة المرضى العرب.

كيف يسمح الطبيب والصديق العزيز وزير الصحة بأن نأتي على آخر حصوننا الاقتصادية تحت ذريعة بعضٍ أو كثيرٍ من الممارسات الخاطئة..؟ الممارسات التي شهدها مكتب السياحة العلاجية في المطار كلها معروفة، فلم نُعيدها!

ممارساتُ بعض الأطباء وبعض سائقي التاكسي الذين كانوا يجوبون الشوارع بمرضى عرب بحثاً عن طبيب مغمور يدفع عمولة، هي ممارسات بعض المعنيين بالقطاع السياحي والفندقي.. وممارساتٌ روتينية حكومية أيضاً..

كلها باتت معروفة وعلى الحكومة أن تقوم بمسؤولياتها في مواجهة هذه الممارسات، حفاظاً على المكتسب الطبي الأردني، والصورة التي ما تزال ناصعة رغم كل الاخطاء، لا أن تتدخل بكل بيروقراطيتها وروتينها وتخرج علينا وفي نهاية العقد الأول من القرن الجديد بنظرية أن "العمعمة" لقطاعٍ أساسه التنافس والإبداع والبقاء للأفضل والأصلح هي الحل فتقرر إعادته لحظيرة العمل الحكومي.

قفز الموضوع الى ذهني وأنا أتابع الأخبار المتعلقة بالسياحة العلاجية الأردنية والدور القادم لوزارة الصحة فيها، أقصد الدور التشاركي رغم أن دورها الحقيقي ينبغي أن يكون إشرافيا وشفافاً ومحاسبياً وعقابياً في بعض الأحيان، لصالح القطاع الطبي الأردني وصورته في الخارج.

هذه الصورة التي تجعلنا نُجيب على أسئلة دائمة من اشقاء لنا أينما سافرنا، حول الطبيب الفلاني المشهور"عندكم" والمركز الطبي المعروف بكذا في عمان، بل ذهب أحد المسلسلات الخليجية وفي حوار درامي بين زوجين حُرما من نعمة الإنجاب أن يقول الزوج لزوجته في المسلسل، لماذا لا تذهبين الى الأردن لإجراء عملية هناك.." بيقولوا انهم متقدمين جدا في الطب بعمان ..".

بالتزامن مع هذا كنت قد التقيت مؤخراً مهندساً أميركياً من شيكاغو كان قد أجرى عملية قلب ناجحة في عمان، تساءلت وقتها ما الذي يدفع هذا الأميركي أن يقطع كل هذه المسافة من بلاده الى الأردن لإجراء عمليةٍ..يتوافر اجراؤها في آلاف الأماكن، لماذا يتجاهل المكسيك وهندوراس وكولومبيا، ومن ثم الهند وتركيا ولبنان ومصر، على اعتبار أن هذه الأماكن أقل كلفة من بلاده وأوروبا، لماذا الأردن، إذن؟!

سألته فأجاب بإسهاب، تحدث، وقد التقيته وهو يغادر عمان عائداً الى أسرته في شيكاغو، فلم أعرف أن كل هذه المزايا متوافرة فينا، اعتقدت أنه كان يعني بلداً آخر، لكنه بالفعل كان يعبر عن إحساسه بالأمان والدفء وإعجابه بالقدرات البشرية والإمكانات، ونظافة عمان والضيافة وبأن بلدكم "فعلاً استثمر في الإنسان جيداً وبأمنه"..

اكتشفت أن قلة التكاليف ما هي الا ميزة إضافية أخيرة، لكنَ لدينا ما هو أكثر بكثير، ولدينا من القدرات الطبية والبشرية الناجحة والمبدعة التي تدعونا لأن نخاف عليها من أن تهرب أو أن تُدفع الى ذلك.. كما حدث في قطاعات أخرى كثيرة "حِلْيِتْ" بعين الحكومة فمدت يدها وأدلت بدلوها.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فاقد الشيئ لا يعطيه (هاشم ارشيد)

    الاثنين 11 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    كنت أتمنى لو أن الحكومة أخذت بجدية موضوع السياحة العلاجية كمصدر للدخل القومي وعملت على توفير مقومات السياحة العلاجية كصناعة كماهي في الدول الأخرى المنافسة في هذا المجال بدلاَ من تشويه سمعة الطب في الأردن من خلال المسؤولين الذين يستشهدون على ذلك بحادثة فردية هنا وحادثة هناك ويتجاهلون آلاف الحالات التي تعالج وتقدم لها الخدمة بمهنية عالية ويشهد لها المرضى أنفسهم وعائلاتهم ودولهم. هل من المعقول أن تتطوع طبيبة من كازاخستان تلقت العلاج في الأردن بنشر أربعة صفحات عن أحد المستشفيات الأردنية تشيد فيها بمستوى الطب والجراحة في الأردن بينما يسيئ المسؤول لسمعة الطب في الأردن؟ الحكومة مطالبة بالعمل على فتح خطوط طيران مباشرة للدول المستهدفة والتي تمثل سوقاً واعداً للسياحة العلاجية. الحكومة مطالبة بتخفيف القيود عن بعض الجنسيات للقدوم إلى الأردن للمعالجة. الحكومة مطالبة بالمساهمة بتعريف شعوب الدول الأخرى بالأردن وإمكاناته الطبية والسياحية والبيئية.الحكومة مطالبة بالتوقف عن تمزيق وحدة المستشفيات الخاصة وتحويلهاإلى أطراف صراع ودعم طرف على حساب طرف آخر. الحكومة مطالبة بدعم وتحفيز القطاع الطبي الخاص ليزيد من قدراته التنافسية أمام الدول الأخرى. الحكومة مطالبة بالانتباه إلى رفع سوية المستشفيات الحكومية وتعزيز إمكاناتها وقدراتها ليستطيع المواطن الأردني الحصول على خدمة طبية متميزة. من عوائد الاستثمار في السياحةالعلاجية تستطيع الحكومة تحقيق ذلك.
  • »مصادرة النجاح (دويري)

    الاثنين 11 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    اخي هاني الامر اوجع واصعب ان تحس ان الدوله تتصيد للتجارب الناجحة والتي رعاها رجال مخلصون لاوطانهم مثل المستشفى الاسلامي رائد السياحةو العلاجية
    هذه التجربة التي اجهضتها العقلية المتشنجه الحاقدة على قصص النجاح الحقيقية
    اخي هاني مثير للقلق الا تحس بالامان وللاسف من دولتك.
  • »لا حول و لا قوة الا بالله (سائح أردني)

    الاثنين 11 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    أستاذ هاني البدري سامحك اللع على هذا المقال !
    لماذا تدق ناقوس الخطر ؟ دعهم يفضحوننا بين العرب الذين يتركون الدنيا و يركضون من المطار الى المستشفيات الخاصة. دعهم يجعلون من السياحة العلاجية حلقة جديدة من مسلسل ميراث الفشل الذي يبدع فيه مسؤولونا أداء و انتاجا ! سامحك الله يارجل , لماذا تقلق على القطاع اليتيم الذي بقي لنا لنتحالى فيه بعد ضياع الرياضة و الاعلام و الفن و الثقافة ؟؟ دعهم يأمموا السياحة العلاجية و ينشروا ثقافة مستشفى البشير و حمزة على باقي القطاع , دعهم يا اخي و الله لا أعرف لماذا تكرس نفسك عدوا للنجاح ؟؟!!
    حسبي الله و نعم الوكيل و الله يعوض على السياحة و العلاج معا !!