زها حديد.. أيقونة العمارة العالمية المعاصرة

تم نشره في الأحد 10 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

 في مطلع العام الحالي وضعت مجلة "تايم" الأميركية، المعمارية العراقية الأصل، بريطانية الجنسية والإقامة، زها حديد ضمن قائمة أهم مائة شخصية عالمية لعام 2010.

وقبل أيام فاز تصميم زها حديد لمبنى المتحف الوطني للفنون المعاصرة في روما، والمسمى (MAXXI) بجائزة المعهد الملكي البريطاني للهندسة المعمارية، ووصف باعتباره "منجزا هائلا لفن العمارة البريطاني"، علما بأن زها حديد ظلت تشكو من أن تصاميمها في بريطانيا لا تأخذ طريقها للتنفيذ مرارا بسبب ما وصفته بالنزاعات الداخلية للإدارة البريطانية.

ليست أهمية الجائزة في قيمتها التي تصل إلى 20 ألف جنيه إسترليني، وإنما في قيمتها المعنوية التي تتجاوز ذلك بكثير، والتي جاءت لتؤكد مكانة زها حديد باعتبارها واحدة من أهم مهندسي العمارة في العالم. فهي المعمارية الأنثى الأولى في العالم التي فازت بجائزة "بريتزيكر" العريقة للهندسة المعمارية، في عام 2004، وكانت واحدة من ثلاثة معماريين يحملون هذه الجائزة من بريطانيا، عدا عن كونها الفائزة الأصغر سنا بين حائزيها. ويذكر هنا أن عائلة "بريتزيكر"، المالكة لسلسلة فنادق حياة، أسست هذه الجائزة في عام 1979 لتكريم المعماريين الذين قدموا إسهامات مهمة ومستدامة للبشرية. ومن أعمالها المهمة تصميم جسر زاراجوزا في إسبانيا، المبنى الرئيسي لمصنع سيارات BMW في لايبزغ بالمانيا، مركز الرياضات المائية في لندن، والذي سوف يفتتح في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية العام الحالي، محطة إطفاء فيترا بالمانيا، مركز روزنتال للفن المعاصر في سينسيناتي بالولايات المتحدة، متحف المتوسطية "دي ريدجو كالابريا"، مركز للتخريج على جبل إيزل بجنوب النمسا...إلخ. ويذكر هنا أن كلفة إنشاء متحف MAXXI في روما، والذي فازت تصاميمه مؤخراً بجائزة المعهد الملكي البريطاني، تصل إلى 223 مليون دولار أميركي.

من هي زها حديد التي تتنافس المدن الكبرى والمؤسسات العملاقة في العالم على تكليفها بوضع تصاميم لصروحها المعمارية، وباتت تعامل كواحدة من نجوم هوليود؟!

زها حديد من مواليد بغداد، عام 1950، من أسرة عراقية معروفة، فهي ابنة محمد حديد الذي شغل منصب وزير المالية في مطلع العهد الجمهوري (58/1963). وقد درست في مدارس بغداد قبل أن تلتحق بالجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الرياضيات، ثم درست العمارة في لندن وتلقت تدريبها في الجمعية المعمارية وتخرجت عام 1977، حيث باشرت عملها مع مكتب "عمارة الميتروبوليتان"، مع المهندس رديم كولهاس والمهندس إيليا زينيليس، إلى أن أنشأت شركتها الخاصة في لندن، عام 1987، وهكذا حققت زها حديد نجاحا مهنيا ملفتا وشهرة سريعة جذبت إليها الأنظار منذ مطلع الثمانينيات. لقد ارتبطت هذه الشهرة بفوزها، عام 1982/ 1983، بمسابقة دولية لتصميم "نادي الذروة" في أعلى مبنى في مدينة هونج كونج، كما فازت بتنفيذ نادي منسون بار في سابورو، اليابان (1988/ 1989)، وفي حينها وصف المؤرخ المعماري كينيث فرابتون عملها ذاك بقوله: "إن قوة ذلك العمل نابعة من تدفق الطاقة للمكان، حيث إن الحيز الذي خلقته يتوسع باستمرار إلى ما لا نهاية"، أكثر من ذلك رُبِطَت تشكيلات تصاميم حديد بالحروفية العربية ذات الطابع الانسيابي والامتداد في الفراغ.

وعلى الرغم من نجاحاتها الفنية المبكرة، فإنه باستثناء تنفيذ تصميمها مون سون بار في سبورو باليابان، ظلت تصاميمها الفنية المعقدة تضل طريقها للتنفيذ، وذلك لفترة طويلة نسبيا من الزمن. وفيما يتعلق بتصاميمها في بريطانيا، علقت زها حديد على ذلك بـ: "إنها سيئة الحظ في بريطانيا حيث تفوز شركتها بالعديد من المسابقات، مثل مشروع دار كارديف باي للأوبرا في ديلز، لكن يندر أن ترى هذه المشروعات طريقها للتنفيذ، بسبب القواعد المراوغة التي تسمح للمنظمين باتخاذ مسارات مختلفة". ويذكر هنا أن زها حديد كانت قد فازت بتصميم جسرين على نهر التايمز في لندن (أحدهما عام 1977، والثاني عام 1997) لكن كلا الجسرين لم ينفذا. لكن هذا لم يمنع من أن يضمها المعماري المعروف فيليب جونسون إلى دائرة ضيقة من المعماريين الذين شاركوا في معرض "Deconstructivism" التفكيكية أو اللابنائية.

هذا، وتتوزع أعمال زها حديد عادة بين ثلاثة مجالات؛ أولها التخطيطات أو الرسوم، ثم التصاميم الداخلية والأثاث، وأخيراً العمارة. لكنها وسعت في السنوات الأخيرة من نطاق اهتماماتها لتشمل مجالات أخرى، منها على سبيل المثال لا الحصر تصميم المجوهرات!

لقد سمعت لأول مرة باسم زها حديد عام 1994، من خلال سلسلة كتب تصدرها دار TASCHEN المتخصصة بالنشر الفني، وقد كرست الدار المذكورة في المجلد الثاني من كتاب "العمارة الأوروبية المعاصرة" بضع صفحات للتعريف بأعمال زها حديد المبكرة. أما اليوم، فإنه يمكن الحصول على عدة كتب تعرف بأعمالها بالإنجليزية وبعض اللغات الرئيسية في العالم.

تتميز عمارة زها حديد بالتشكيلات الغريبة، أو التي تنزع إلى الشطط والخيال، ما يفسر صعوبة تنفيذها، لكن تصاميمها رغم ما تثيره من قلق إلا أنها تمتاز بالصرامة والطاقة الذاتية التي تهيمن على فضاءاتها المعمارية.

وبسبب صفة "الاسترسال" أو الاستمرارية التي تتخذه عمارتها، فقد نسبت هذه الظاهرة إلى خلفيتها كعربية ومسلمة، وإلى استرسالية الخط العربي وانسيابيته. علما بأن تصاميم زها حديد لا تنطوي على أية عناصر زخرفية أو مفردات من العمارة الإسلامية، بل إن أعمالها تنسب إلى عمارة ما بعد الحداثة، وتحديدا المدرسة "التفكيكية"، المشتقة من الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، وتضم المدرسة المعمارية التفكيكية عددا من كبار المعماريين المعاصرين مثل بيتر إيزنمان، فرانك جيري، دانييل لايبسكيند، برنارد تشومي، توم ماني وآخرين. وتعرف هذه المدرسة المعمارية باستخدامها أشكالاً غير مألوفة تجمعها علاقات هجينة لا تمت بصلة إلى ما هو متعارف عليه معماريا.

لقد حازت زها حديد على العديد من الجوائز والشهادات التقديرية، كما استضافتها كبرى الجامعات في أوروبا والولايات المتحدة، كأستاذة زائرة أو أستاذة كرسي. وتتوزع أعمالها المعمارية المتعاقد على تنفيذها، أو يجري تنفيذها حالياً، على عدد كبير من المدن والبلدان عبر العالم، لعل أبرزها متحف غوغنهايم في تايوان، متحف Maxxi في روما، السوق المالي في مرسيليا بفرنسا، محطة أفرار جولا في نابولي، ناطحة سحاب City life، ميلانو، متحف Betile في كاليجاري- سردينيا بإيطاليا، مرفأ ساليرنو، الواجهة المائية في ريدجو كالابريا، إضافة إلى جسر أبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة، وكايرو إكسبور سيتي في القاهرة. ويقال إن أمانة عمان الكبرى بصدد التعاقد مع المعمارية زها حديد لتصميم دار أوبرا في عمان. إضافة إلى وجود مشروع آخر لها في الأردن. كما يقال إن دمشق سوف تحتضن أحد تصاميمها المعمارية المميزة.

إنها قصة نجاح تروى، فزها حديد عرفت الشهرة وهي في مطلع الثلاثينيات من عمرها، وواصلت الصعود في عالم فن العمارة، إلى أن عدت، قبل أن تبلغ الستين من عمرها، واحدة من أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم.

إنها قصة نجاح لامرأة عربية مسلمة، استمدت من حضارتها الخاصة روحا وطاقة إبداعية استثنائية، وعززتها بما تعلمته في الغرب، لتجعل من تصاميمها المعمارية واحدة من أهم علامات القرن الواحد والعشرين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سبحان الله (عمار علي القطامين)

    الأحد 10 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    تصاميم هذه المعمارية من أروع ما يكون، وفيها إعجاز حقيقي. المؤسف أنها لو بقيت في العراق لقضت في تفجير انتحاري من زمن بعيد. أو على الأقل لدخلت في النقاش البيزنطي : إنت سني ولا شيعي ؟؟