تجمع أمني آسيوي جديد

تم نشره في الجمعة 8 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 02:00 صباحاً


التقى مؤخراً أعضاء بارزون في الحكومتين الهندية والكورية الجنوبية بهدف تأسيس "شراكة استراتيجية" جديدة. وفي مختلف أنحاء آسيا تجري عملية هندسة وإنشاء بنية أمنية جديدة، على نحو تدريجي مجزأ ظاهريا.

وقد لا يكون من السهل الآن أن نتكهن بالكيفية التي قد يتطور بها المشهد الجغرافي السياسي في آسيا. ولكن من الواضح أن الصين المتزايدة الحزم والثقة تعمل من دون قصد على تعزيز دور أميركا في آسيا، وإعادة الصدارة لها بوصفها الضامن المطلق للأمن والاستقرار في المنطقة.

وهناك على أقل تقدير أربعة سيناريوهات محتملة للأمن الآسيوي في السنوات والعقود المقبلة. ويتلخص الأول في صعود آسيوي يتمحور حول الصين. والواقع أن الصين تسعى إلى تأسيس عالم متعدد الأقطاب على أن تكون آسيا أحادية القطب. وفي المقابل ترغب الولايات المتحدة في إقامة عالم أحادي القطب شريطة أن تكون آسيا كياناً متعدد الأقطاب.

والسيناريو الثاني يتلخص في استمرار الولايات المتحدة في العمل كضامن أساسي للأمن والاستقرار في آسيا، سواء في ظل أو في غياب احتمال ثالث: ظهور تجمع من البلدان الآسيوية التي توحدها مصالح مشتركة، ويعمل هذا التجمع على ضمان عدم تحول آسيا إلى كيان أحادي القطب. وأخيراً، قد تشهد آسيا صعوداً جديداً لقوى قديمة متعددة، بما في ذلك اليابان، والهند، وفيتنام، وإندونيسيا، وكوريا بعد إعادة توحيدها.

ومن بين السيناريوهات الأربعة، كان الأول هو الأعظم إثارة للقلق والانزعاج. فقد أصبح جيران الصين قلقين على نحو متزايد إزاء قوتها المتصاعدة ومحاولاتها الواثقة الرامية إلى تأكيد ذاتها. وفي حين يطمح حكام الصين إلى صياغة آسيا على نحو يجعلها تتمركز حول الصين، فإن جهودهم الرامية إلى تخويف الدول المجاورة الأصغر حجماً من غير المحتمل أن تجعل من الصين مرشحاً يتمتع بالمصداقية لزعامة آسيا.

فلا شك أن الزعامة الحقيقية لا تأتي من القوة الغاشمة، ولا تتسنى إلا من خلال رضا البلدان الأخرى أو قبولها الضمني. ولو كان من الممكن بناء الزعامة على القوة الغاشمة لكان الصبية المشاغبين في ساحة الملعب في المدارس قد أصبحوا رؤساء لفصولهم.

وفي كل الأحوال، قد تكون قوة الصين هائلة وسريعة النمو، ولكنها تفتقر إلى القدرة على فرض نفسها. وبعبارة أخرى، فإن الصين لا تملك القدرة على دحر أي مؤسسة عسكرية منافسة، ناهيك عن فرض إرادتها على آسيا.

بيد أن هذه الحقيقة لم تسهم إلا قليلاً في التخفيف من حدة المخاوف في المنطقة. فبعد أن نما حجم إنفاقها الدفاعي بما يعادل ضعف نمو ناتجها المحلي الإجمالي، يبدو الأمر الآن وكأن الصين تخلع قفازيها وقد اطمأنت إلى أنها اكتسبت العضلات اللازمة.

على سبيل المثال، وضعت الصين الآن بحر الصين الجنوبي ضمن مصالحها الوطنية "الأساسية"، على قدم المساواة مع تايوان والتبت، وذلك في محاولة لدعم مطالبتها بمد عملياتها العسكرية إلى هناك. كما عمدت الصين على نحو متزايد إلى التشكيك في سيادة الهند على ولاية أروناشال براديش في شامل شرق الهند، والتي أطلق عليها حكام الصين وصف "جنوب التبت" زاعمين أنها أرض تابعة للصين. ولقد تحدث مسؤولون في وزارة الدفاع الهندية عن عدد متزايد من عمليات التوغل العسكرية الصينية عبر حدود الهيمالايا التي تمتد بطول 4057 كيلومتر.

وفي حين تسعى الصين إلى ترجمة نفوذها الاقتصادي إلى مزايا جغرافية سياسية كبرى في آسيا، فإن هذه الدولة التي كانت تفاخر ذات يوم بأنها لديها "أصدقاء في كل مكان"، تكتشف الآن أن قوتها المتنامية ربما كانت سبباً في بث الرعب بين جيرانها، ولكن تصرفاتها تثير مخاوف جديدة بكل تأكيد. ولكن أين هي الدول التي قد تقبل الصين زعيمة لآسيا؟ إن ستة عقود من القمع الوحشي فشلت في إكساب الصين القبول حتى في التبت وشينجيانج، كما تشهد ثورات أهل التبت واليوغور في عامي 2008 و2009.

إن الزعامة تتطلب ما هو أكثر من مجرد امتلاك قوة اقتصادية وعسكرية هائلة. فهي تحتاج إلى قوة الأفكار القادرة على تحفيز الآخرين. ومثل هذه القوة تعمل أيضاً كغطاء أخلاقي للقوة الحازمة التي كثيراً ما تلعب دوراً مهماً في ملاحقة أي قضية أو مصلحة بعينها.

على سبيل المثال، لم يتسن للولايات المتحدة وحلفائها الفوز بالحرب الباردة بفضل الوسائل العسكرية، بل إن فوزهم كان راجعاً إلى نشر أفكار الحرية السياسية ورأسمالية السوق إلى مناطق أخرى. وعلى حد تعبير المحلل الاستراتيجي ستانلي أ. فايس فإن هذا "ساعد في حرمان الشيوعية من جاذبيتها العالمية"، الأمر الذي جعلها عاجزة عن تلبية الحنين الواسع النطاق إلى حياة أفضل وأكثر انفتاحا.

والحق أن الصين أظهرت براعة واضحة في تعزيز مصالحها الوطنية والاضطلاع بدور كلاسيكي في إيجاد التوازن بين القوى الجغرافية السياسية. ولكن لكي تزيح الولايات المتحدة وتتولى زمام القيادة في آسيا، فيتعين على الصين أن تبذل المزيد من الجهد بعيداً عن ملاحقة مصالحها الشخصية أو احتواء المنافسين المحتملين. ولكن ماذا تمثل الصين بالنسبة لبقية العالم فيما يتصل بالقيم والأفكار؟

في ظل غياب الإجابة عن هذا التساؤل، كانت المبالغة في الاعتماد على سياسات توكيد الذات من جانب الصين بمثابة غنيمة دبلوماسية بالنسبة للولايات المتحدة في تعزيز وتوسيع الترتيبات الأمنية الأميركية في آسيا. فقد عملت كوريا الجنوبية على تشديد تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة، وتراجعت اليابان عن مطالبة الولايات المتحدة بنقل قاعدتها الجوية التابعة لسلاح البحرية من أوكيناوا، كما ازدادت الهند وفيتنام وإندونيسيا والفلبين وغيرها قرباً من الولايات المتحدة.

وإذا تحدثنا عن القدرة على استعراض العضلات أو حجم القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية في آسيا، فمن غير المرجح أن تظهر قوة أو مجموعة من القوى تضاهي قوة الولايات المتحدة على مدى ربع القرن المقبل. ولكن على الرغم من عدم تعرض الدور المركزي المستمر الذي تلعبه الولايات المتحدة في آسيا لأي تهديد في الوقت الحالي، فإن قدرة ترتيباتها الأمنية على البقاء في الأمد البعيد تعتمد على مصداقية الضمانات الأمنية التي تقدمها لحلفائها وشركائها. والواقع أن استعداد أميركا للوقوف إلى جانب هؤلاء الحلفاء والشركاء حين يصبح اللعب أكثر خشونة سوف يحدد مدى قوة وحجم نظام تحالفاتها الأمنية في آسيا في الأعوام المقبلة.

وقد تكون الغلبة للسيناريوهين الثالث والرابع حتى لو ظلت الولايات المتحدة تشكل المصدر الأساسي للأمن والاستقرار في آسيا. فقد بدأ عدد من البلدان الآسيوية بالفعل في بناء التعاون الأمني على أساس ثنائي من المنفعة المتبادلة، وبالتالي أرست هذه البلدان الأساس لشبكة محتملة من الشراكات الاستراتيجية المتشابكة. والواقع أن وجود تجمع من البلدان الآسيوية، التي يربط بينها التعاون الاستراتيجي، أصبح يشكل أهمية حاسمة فيما يتصل بالمساعدة في ترسيخ استقرار وتوازن القوى في المنطقة.

* أستاذ الدراسات الاستراتيجية لدى مركز بحوث السياسات في نيودلهي ومؤلف كتاب "الطاغوت الآسيوي: صعود الصين والهند واليابان".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق