هل هذه إسرائيل المنوي مصالحتها؟

تم نشره في الخميس 7 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

 

عندما أقدم ذاك الفتى الإسرائيلي المتطرف، قبل أعوام، على اغتيال إسحاق رابين، لدوره في عملية السلام مع الفلسطينيين كان ذلك تعبيراً عن انقسام إسرائيل إلى معسكرين متناحرين، ما يزالان قائمين، حيث ينمو المعسكر المتشدد وينال أصوات الناخبين الإسرائيليين بشكل ملفت ، تمثله حكومة نتنياهو التي وزير خارجيتها أفيغدور ليبرمان الذي أفادنا جهاد الخازن – صادقا – أنه كان حارس مواخير في مولدافيا!

ولابد من القول إن رابين لم يكن حمامة سـلام. فهو جنرال مقاتل في الجيش الإسـرائيلي، قاتل الفلسطينيين والعرب حتى الرمق الأخير. لكنه اسـتنتج بعد طول قتال، أن "الحل العسكري" لن يؤمّن لإسرائيل مستقبلها ولابد من "حل سياسي". لذلك مد يده - بعد لأي - في حديقة البيت الأبيض إلى اليد الممدودة بالسلام والتعايش، إلى ياسر عرفات ، الذي ناضل هو أيضاً، على الطرف المقابل ، من أجل فلسطين، واكتشف – مثل إسحاق رابين – أن الصراع لابد أن يصل إلى " حل سياسي " بين الطرفين. وأنه لا مفر من قبول "التعايش" المفروض بالقوة ولو ذهب أكثر من نصف الوطن الفلسطيني، بل إن ياسر عرفات أعلن أنه سيقبل بإقامة دولة فلسطينية ولو على "شبر واحد " من فلسطين، إذا اقتضى الأمر.

إن تأكيد الوجود الفلسطيني، في هذه المرحلة ، أمر لابد منه. وقد كانت إسرائيل تنكر وجود الفلسطينيين حتى وقت قريب. وفي فترة حرب أكتوبر 1973 ، كانت غولدا مائير ، رئيسة حكومة إسرائيل ، تقول: أين الفلسـطينيون ... إني لا أراهم! فهاهم الآن ملء سمع الدنيا وبصرها. ولم تستطع حتى "حماس" الفوز في الانتخابات بمنطقة غزة إلا بفضل "الحل السلمي" الذي سعى إليه "أبو عمار" ويسعى إليه اليوم "أبو مازن" ورجاله في بحر من المصاعب الفلسطينية والعربية والدولية.

فمن المؤسف ومن سوء الحظ ، أن هذا القائد الفلسطيني الأمين قد أتى في مرحلة تاريخية غير مرحلته. وإن اعتداله يقابل بتشدد إسرائيلي تمثله حكومة "منتخبة" في إسرائيل!

في تقديري أن ثمة مشكلة يهودية – يهودية ، أعني مشكلة اليهود مع أنفسهم ، ومع تاريخهم وتراثهم ومع الآخرين من شعوب الأرض ، قبل أن تكون ثمة مشكلة إسرائيلية – فلسطينية أو عربية.

وقد قيل وكتب كثيراً عن "اليهودي الكاره لنفسه"، ولو أن سيغموند فرويد ، مؤسس علم النفس التحليلي وأشهر المفكرين اليهود في العالم جاء في قارب إلى غزة للمشاركة في فك الحصار الإسرائيلي عنها ، لقامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باعتقاله ومحاكمته ... هذا إذا لم تغرق قاربه أو تقتله !

ورغم وجود كتلة برلمانية موازية في الكنيست يمثلها أساسا حزب " كاديما " برئاسة وزيرة خارجية إسرائيل في حكومة أولمرت السابقة ثم رئيسة الوزراء، في الحكومة التي سبقت حكومة نتنياهو ، فإن هذه الكتلة التي يفترض أنها أقرب إلى مفهوم "السلام" صامتة صمت القبور ولم نسمع لها أي رأي في تلاعب اليمين المتطرف بمقدرات السلام. هل تريد هذه الكتلة لحكومة اليمين المتطـرف أن "تشنق" نفسها بنفسها من دون تدخل منها، أو أنه صمت انتخابي ، وهذا خطير لأنه يدل على أن أكثرية الإسرائيليين صاروا لا يحبذون أي حل سلمي.

إن "صمت" هذه الكتلة محير. فهل هو سكوت كعلامة رضا ... أم ... أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

المهم أن كاديما وحلفاءها قد تسلحوا أمام هذه المفاوضات الليكودية العبثية المجاملة للرئيس أوباما بالحكمة القائلة: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ... ويبدو أنهم اختاروا "الذهب"، فأسعاره ترتفع هذه الأيام بمستويات قياسية !

والحقيقة الظاهرة للعيان أن غالبية الإسرائيليين ، صقوراً وحمائم ، يتملكهم خوف شديد ، ولا يأمنون لأحد. وهم يرون عالماً عربياً في طريق النهوض، بأفضل مما يـراه العرب أنفسهم ، ولا يأمنون من قادم الأيام حتى في ظل السلام !

إن الإصرار على "يهودية إسرائيل"، وهي صفة رفضها حتى عتاة مؤيدي إسرائيل لدى إنشائها كالرئيس الأميركي ترومان، لا يرى غير هدف سياسي ضيق هو إخراج عرب 48 مسلمين ومسيحيين من "أرض" إسرائيل ... ورميهم في الضفة الغربية أو في الجانب العربي أياً كان ... ولا يهم هؤلاء المنادون بيهودية إسرائيل ألا تبقى إسرائيل "الديمقراطية الأولى" في الشرق الأوسط ، ففي أحسن حالاتها ستكون ديمقراطية عرقية ethnic-democracy أو ستكون أضحوكة بين أمم العالم في زمن العولمة.

إن المطالبين بيهودية إسرائيل يسبحون ضد تيار المستقبل.

فأمم العالم تتجه إلى مزيد من التعددية الدينية والثقافية، وفي إسرائيل إصرار على "يهودية" الدولة وتأكيد لها.

وبينما تتجه إسرائيل "الديمقراطية الأولى!" في الشرق الأوسط نحو ديمقراطية إثنية عرجاء تتجه أبرز الدول العربية الناشطة – وهي المملكة العربية السعودية – إلى طرح حوار الأديان على مستوى عالمي والطموح لأن تكون " مملكة الإنسانية " بجهود ملكها المصلح عبدالله بن عبدالعزيز ... فهل يرى عالمنا هذا الفرق ؟!

إن "إسرائيل الأخرى" ... إسرائيل المسالمة والمتصالحة مع نفسها ومع الفلسطينيين والعرب تنمو ولكن ببطء ... ومن المحال أن يستطيع الفلسطينيون الانتظار لسنوات أخرى تحت الاحتلال ... ومؤخراً أوقفت سلطات الاحتلال زورقا لقلة من الناشطين الإسرائيليين يريدون السلام ورفع الحصار عن غزة.

والذين يصرون على السلام من الجانب الفلسطيني والعربي يراهنون على ظهور إسرائيل "المسالمة" ... هذه ... ولكن ظهورها، وإن يكن من حتميات التاريخ ، فسيأخذ وقتاً طويلاً ... ويصعب على الفلسطينيين الانتظار أكثر مما انتظروا.

وثمة اختلال في موازين القوة بين إسرائيل والعرب وتصحيح هذا الاختلال ، من الجانب العربي ، سيأخذ وقتاً طويلاً أيضاً ... ولا يمكن تصحيحه بجيوب مقاومة هنا أو هناك. فقد وقع ما وقع . ورغم "الانتصار" المعلن فقد بقيت إسرائيل مهيمنة، ولا نذكر حرباً عربية غيّرت موازين القوى القائمة في حينه غير حرب أكتوبر 1973 التي شارك فيها أساساً الجيشان المصري والسوري بالإضافة إلى قوات عربية أخرى لا يمكن إنكار دورها.

إن حل الدولتين سيبقى هو "الحل". والحديث عن دولة واحدة مزدوجة القومية هو دعوة للفلسطينيين ليكونوا "درجة ثانية"!

ولا خيار ، في المدى المنظور ، غير إعلان الدولة الفلسطينية – بجهد عربي ودولي في مجلس الأمن – والاعتراف بها مثلما أعلنت إسرائيل قيامها عام 1948 ... أما إلغاء السلطة الفلسطينية فعودة إلى الوراء ولا ينبغي التفكير فيه.

* كاتب عربي من البحرين

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ملاحظتان (إسماعيل قطيفان)

    الخميس 7 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    ما يقلقني أن كاتبا ومفكرا كبيرا كالأنصاري يصر على تمجيد السعودية وحشو المديح لتجربتها هنا وهناك، وحقيقة الأمر أن السعودية من الدول العربية ذات التجربة غير المبهرة فيما يتعلق بحقوق الإنسان والمساواة والعدالة الاجتماعية، وأن أماماها شوطا طويلا جدا لتصل إلى ما وصلت له دول عربية أخرى (ولا أعفي أي دولة من ذنب المشاكل التنموية والاجتماعية أبدا).0

    أما بخصوص حل الدولتين ففيه رأي. التجربة التي نقارن بها هنا هي التجربة جنوب الأفريقية والتي لا يزال السكان الأصليون فيها درجة ثانية، والدليل هو حال عرب 1948 تحت الحكم الإسرائيلي من مشاكل اجتماعية واقتصادية إلى تهميش واضطهاد، لكن مفتاح الحل هنا ليس سياسيا بقدر ما هو اقتصادي واجتماعي

    أيا كان نموذج الحل، دولتان أم دولة، فعلى الفلسطينيين امتلاك قراراتهم الاقتصادية والاجتماعية قبل أن يملكوا قرارهم السياسي، وذلك من أجل أن يكونوا ندا قابلا للحياة