محمد برهومة

محددات الضغط الأميركي على إسرائيل

تم نشره في الأربعاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

 

من الأقوال الذائعة لهنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، أن "إسرائيل ليست لها سياسة خارجية بل سياسة داخلية فقط". ومثل هذه الفكرة يتم استدعاؤها الآن على خلفية العديد من المواقف والسياسات الإسرائيلية الراهنة، ولاسيما ما يتعلق بملف المفاوضات.

حين دعا مؤخرا، وزير الخارجية الإسرائيلي، افيغدور ليبرمان، في الأمم المتحدة إلى "تبادل أراض مع سكانها" كسبيل لحل النزاع إضافة إلى "اتفاق انتقالي بعيد المدى" مع الفلسطينيين بما يعني استبعاد تسوية نهائية، انبرى نتنياهو ليتبرأ من أقوال ليبرمان مؤكدا أنها لا تمثل سياسة حكومته، وأنه هو من يُحدد تلك السياسة وليس أي شخص آخر. لكنّ هذا الإحراج الدبلوماسي (إذا صدّقنا كلام نتنياهو!) وأمام جميع وفود العالم في الأمم المتحدة وأمام وسائل الإعلام العالمية مجتمعة، يكون في كثير من الأحيان سببا وجيها للتهديد بإقالة ليبرمان أو ردعه وتحجيمه، وهو ما لم يتم وليس متوقعا أنْ يتم؛ لأن الأقرب إلى الحقيقة هو أن ليبرمان لا يعبّر عن مجرد رؤية شخصية وأنّ دوره في حكومة نتنياهو أو في صوغ السياسة الداخلية والخارجية الإسرائيلية ليس هامشيا. ووفق هذا المعطى يحاول نتنياهو أنْ يتموضع في الوسط ما بين ليبرمان وإيهود باراك.

والمعروف أنه ليس مِنْ دولة في العالم لا تأخذ المحددات الداخلية في الاعتبار عند صياغة سياساتها الخارجية التي من المفترض أنْ تخدم الأهداف المحلية، لكنّ هذا الأمر في الحالة الإسرائيلية أكثر خضوعا للتوازنات الائتلافية للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولقوى الضغط الحزبية وسواها. وهي حجة تستخدم دائما، وخاصة في ملف المفاوضات، للتهرب من الالتزام بالقرارات الدولية، واعتراف إسرائيل باستحقاقات كونها دولة محتلة، ولا بد أنْ تدفع ثمن هذا الاحتلال. صحيفة "هآرتس" ذكرت قبل أيام أن ليبرمان تعرّض للتوبيخ من سوزان رايس، المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة، على كلمته آنفة الذكر في الأمم المتحدة، وأنه، وفق الصحيفة، اشتكى في رسالة إلى نظيرته الأميركية هيلاري كلينتون من توبيخ رايس غير اللائق وغير الدبلوماسي. ولعل هذا يعيدنا إلى مناقشة وفهم المدى الذي من الممكن أن تضغط فيه واشنطن على تل أبيب، وكل ذلك في ظل وعي يقوم على ثلاثة مرتكزات اساسية: أولها، أن أوباما بإمكانه الضغط على نتنياهو في سياق التفريق ما بين الدعم الأميركي لإسرائيل ودعم رئيس الولايات المتحدة لرئيس وزراء إسرائيل. وفي سياق أنّ أيّ رئيس وزراء إسرائيلي لن يستطيع البقاء في منصبه إنْ فقد حظوته في واشنطن. وثانيها، أن إسرائيل قضية داخلية في أميركا. وثالثها، أن الضغط الأميركي لا يتأتى من السلطة التنفيذية وقرار الإدارة وحدها، بل هو حصيلة مراكز القوى المختلفة في الساحة الأميركية من أحزاب وقوى اقتصادية واجتماعية ووسائل إعلام ومراكز دراسات وجامعات ونشطاء مدنيين وحقوقيين وعسكريين، إلى جانب تحركات الدول الدبلوماسية وشبكة المصالح المختلفة.

الخطأ التاريخي الذي يرتكبه العرب في مناشدتهم القوة العظمى الضغط على إسرائيل، أنهم يكتفون في التوجه إلى السلطة التنفيذية وينسون الكونغرس والإعلام وقوى المال والأعمال والمنظمات المدنية وغيرها من الفاعلين الذين يصنعون في مجموعهم القرار الأميركي. والتوجهات الإيجابية لإدارة أوباما لها حدود. وإذا كانت السياسات العربية تحب أن تكون ذات صوت واحد ويغلب عليها إقصاء أي دور إيجابي للمعارضة أو الآراء المختلفة في صياغة تلك السياسات، فإن هذا الأمر مختلف في دول كثيرة ومنها الولايات المتحدة وكذلك إسرائيل.

mohammed.barhoma@alghad.jo

 

التعليق