من قتل عبد الناصر؟

تم نشره في الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

أما وأنّ جمال عبد الناصر كانَ مُستهدفاً بالقتل، تسميماً أو اغتيالاً، فذلك لا يؤكّد أنّه ماتَ في مثلِ هذا اليوم قبل أربعين عاماً غيلةً. وأن تتوفّر "قرائنُ" غيرُ قليلةٍ على أنّ تدبيرَ جهاتٍ ودولٍ معاديةٍ له ولنظامِه لإنهاءِ حياتِه اشتدَّ في الشهورِ الأخيرةِ من عمرِه القصير (52 عاماً)، فذلك لا يجيزُ احتسابَها دلائلَ على حدوثِ الجريمة، لتغييب الرجل الذي ودّع في ظهيرةِ نهارِه الأخير ضيفاً عربياً كبيراً في مطار القاهرة، ثم عادَ إلى منزلِه، وشعرَ باعتلالٍ في صحّته، فآوى إلى فراشِه، لتصْعَد روحُه بعد ساعاتٍ إلى بارئِها، رحمه الله. وتفاصيلُ ذلك النهارِ المصريِّ مشهورةٌ، وكذا الأيام القليلة التي سبقته، وقضاها الرجل في "النيل هيلتون" في مؤتمر القمة العربية، وضاعفَ من شهرتِها مجدّداً أنّ محمد حسنين هيكل أضاءَ عليها باستفاضَةٍ، في أحدثِ سردياتِه في "الجزيرة"، وجاءَ أيضاً على "شكوكٍ" تُسوّغ القولَ بأنّ شيئاً ما تمّ لإنهاءِ حياةِ عبد الناصر.

غالباً ما يتجدّد في ذكرى وفاة "الزعيم الخالد"، بحسبِ وصفٍ لهُ شائع، استدعاءُ الروافعِ الوجدانيّةِ التي أشاعَهَا في الحالةِ العربيةِ في زمنِه، والحاجةِ إليها في راهنِ التردّي، القوميِّ والقطريِّ، الذي نعيش. ويتمّ في المناسبةِ استذكارُ الزعامة القياديّة التي حقّقها عبد الناصر لنفسِه ولبلدِه، والهيبةِ التي كان عليها، وفاضت عن حدودِ مصر، طوال حكمهِ القويِّ 18 عاماً. أمّا الذكرى الأربعون اليوم فيتصدّرُها السؤالُ القديم ما إذا كانت ميتةُ عبد الناصر طبيعيةً، وإنْ مفاجئةً، أم بفعلِ فاعلٍ، وذلك لما استنفرَهُ في الصحافة المصرية كلامٌ مثيرٌ لهيكل عن فنجانِ قهوةٍ أعدّه أنور السادات لسلفه، لتهدئتِه عند انفعالِه في جدالٍ مع ياسر عرفات قبل ثلاثة أيام من الوفاة. قال هيكل إنّ عبد الناصر شَربَ القهوة، لكنّ ذلك ليس دليلاً على تورّط السادات بشيء، غير أنّ ابنةً للأخير قدّمت بلاغاً ضد الكاتب الشهير، لما رأتْهُ في كلامِه من اتهامٍ لوالدها بتسميمِ الرئيس. ولأوّلِ مرّةٍ، تشتهرُ الواقعةُ مصرياً وعربياً، وإنْ قالَ أحدُ أبناء عبد الناصر أنها معروفةٌ عند أسرته التي لا تمتلك دليلاً قاطعاً لإدانةِ أحد. وتدخّل أحدُ أطباء الزعيم الراحل بمقالٍ في "الأهرام"، أرادَ فيه إزاحةَ الوجاهةَ عن الشكوكِ من أيِّ نوعٍ حول الوفاة المبكرة التي كانت، بحسبِه، بسببِ أمراضٍ عانى منها عبد الناصر، ولوجودِ عاملٍ وراثيٍّ من جهةِ أمهِ التي ماتت عن 30 عاماً.

ننجذبُ إلى قصّة فنجانِ القهوة وحواشيها، أكثرَ من الحديثِ المعتادِ عن الليلةِ الظلماءِ التي يُفتقدُ فيها البدر، لا سيّما وأننا صرْنا نعرِف، من مروياتِ هيكل ومطالعاتٍ جديدة، أنّ المخابراتِ المصريّة تنصَّتَت قبل شهورٍ من وفاة عبد الناصر على كلامٍ إسرائيليٍّ أميركيٍّ عن وجوبِ إنهاءِ حياتِه، وأنّ كيسنجر كتبَ في مذكراتِه أنّه أبلغَ تل أبيب أنّ "تغيّراً" سيحدُث في مصر، رداً على طلبِها، قبل الوفاةِ بأسابيع، تدخلاً أميركياً بعد بناءِ مصرَ حائط الصواريخ. ونقرأ في مراجعةٍ لكتابٍ صدَرَ أخيراً في لندن أنّ رئيس الوزراء البريطاني إبان تأميم قناة السويس، أنتوني إيدن، بحثَ مع معاونيه تسميمَ شوكولاتة لعبد الناصر، وضخّ غاز الأعصابِ في تكييفِ نظام الهواء الخاص به، وتسريبَ علبةِ سجائرَ إليه من تصميمِ المخابراتِ المركزيّة الأميركيّة تحتوي على سهمٍ مسموم، وأنّ الاستخباراتِ الإسرائيليةَ طرحت على إيدن خطةً لتسميم قهوة ناصر.

ننجذبُ إلى أرشيفِ الحكاية المثيرة هذه، في الذكرى الأربعين لوفاةِ جمال عبد الناصر، الباقي لزعامتِه مطرحُها في الوجدانِ العربيِّ الجماعي، أياً كان ما عليه، وعلى الرغم من هزيمة 1967 التي لمّا تمّحي بعد.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من قتل كل هؤلاء (عبد الحفيظ البياري)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    اظن اننا سنعرف من قتل ياسر عرفات ورفيق الحريري وجمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر بعد ثلاثين قرناكما تم اكتشاف سر موت توت امون بعد ثلاثيين قرنا...لا أحد يجرؤ على قول الحقيقة..حتى لوتم معرفة القتلة فلم يتم القصاص منهم..حيث عرفنا قتلة المبحوح و رأينا صورهم ولكن لم يحدث اي شيءلهم...ادن فلنتسلى بسماع قصص تاريخية وكأنها قصص ألف ليلة وليلة وننام ...
  • »,وانت شو راسك (محمد علي محمد علي)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    لقد كتبت بحيادية تامه ومضوعيه ، ونأست بقلمك عن اهطاء استنتاجك من كل ما عرضت من معلومات قيمه . بك رائي هي كتير واصحة . فتش هن المستفيد من موت عبد الناصر ومن بغده قتل السادات ومن قبلهما قتل عبد الحكيم عامر ، الا تجد بينهما رابط ما .