السياحة والرغبة في الشفاء..

تم نشره في الاثنين 27 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

"الأردنيون ينفقون 700 مليون دينار على السياحة الخارجية، مقابل 61 مليونا على المحلية"- وزيرة السياحة والآثار.

غالبا ما تظهر أمام المتابع أرقام وإحصائيات صماء، ونادرا ما يقرأ معها تعليل علمي مصاحب لها يفُسر لنا، ما المضامين السلوكية والاجتماعية القابعة وراءها التي جعلت هذه الأرقام في حالة ارتفاع أو انخفاض.

تشير الأطروحات العلمية المرتبطة بالسلوكيات السياحية لدى متلقي وممارسي تسويق الخدمات السياحية، بأن هناك علاقة متبادلة الأثر والتأثير ابتداء بين نضوج مفاهيم السياحة وأهميتها عند المواطنين عاديي الدخل وبين مستوى الاختمار الذهني لدى كل من طالبيها ومقدميها بصورة منفعية متبادلة. أرى الحاجة إلى وقفة مراجعة من قبل المؤسستين الرسمية والأهلية بهدف إعادة التوازن إلى الميزان التجاري السياحي المُختل كما يظهر في تصريح الوزيرة: وهنا تبرز عوامل ذاتية، وعوامل موضوعية.

عوامل ذاتية؛ والمقصود بها طبيعة البنية العقلية التي نتمثلها كأردنيين وهي "هيابة" من السياحة ومصاحباتها السلوكية، اجتماعيا وثقافيا من جهة؛ وارتباط هذه التصورات تاريخيا وحضاريا بكل من؛ الطبيعة الجغرافية الصحراوية (85 %)حيث ندرة الماء وضعف مظاهر تعاملنا مع وحتى عدم تقبلنا لأنماط العلاقات الناجمة والمطلوبة من السكان المجاورين لمصادر الماء، وما نشاهده مثلا في برك السباحة العامة على قلتها أصلا، وما يشهده "ثغرنا الوحيد الباسم" العقبة مثلا من تسبّح كثير من نسائنا في ملابسهن العادية، إلا مؤشر على حجم الصراع القيمي والسلوكي المعبر ضمنا عن كيفية تعاملنا اللافت مع هذا المؤشر السياحي. كما أن شخصياتنا المتأثرة حكما في طبيعة وأنماط التنشئة الاجتماعية التي شكلت معنى السياحة الواخز في أذهاننا؛ وبالتالي سلوكياتنا نحوها من منظور قيمي تقليدي، الأمر الذي أثر بدوره على حقيقة نظرتنا القبلِية والسلوكية المترددة نحو السياح والسياحة التي ارتبطت بالآخر الغربي عادة، ما انعكس تاليا على نزوع بعض الأردنيين الميسورين نحو تفضيل الابتعاد عن هذه الحدية الاجتماعية في تعاملها وحكمها الاجتماعي/الأخلاقي على مصاحبات السياحة والموزع بين المسموح به والمنهي عنه اجتماعيا في تعامل معظم أبناء مجتمعنا معها اجتماعيا وثقافيا ثم اقتصاديا بالتأكيد.

عوامل موضوعية؛ ويقصد بها تطوير ومتابعة كل ما يرتبط تخطيطا وتنفيذيا بالمنتج السياحي بدءا من البنية الخدمية التحتية" طرق واتصالات آمنة، مرافق وفنادق، وأماكن ترويح متنوعة" مرورا بدوام مشاريع التوعية والتسويق الاجتماعي لمضامين السياحة المتنوعة، وليس انتهاء بشعور المواطن في المجتمعات المحلية المجاورة لأماكن السياحة والآثار أن هناك وعدا اقتصاديا يلمسونه من الآن وإنه إذا ما تم تطويره سيحدث فرقا معاشيا في حياتهم المستقبلية منذ اللحظة.

لا أود التساؤل، كباحث، إن حدث مثلا فرق خدمي وإنتاجي سياحي ملموس للمواطن الأردني منذ مدة طويلة في كل من البتراء كأعجوبة سابعة في العالم، أو في وادي رم "القمر"، أو مرافق قلعة الكرك رغم المشروع السياحي القائم حاليا، أو شواطئ البحر الميت في غور الحديثة..الخ. فالاسعار والكلف تمثل المتطلب السابق الجاذب أو الطارد للسياحة الداخلية خصوصا لعائلاتنا ذوات الأعداد الممتدة.

هل نأخذ جميعا العبرة والعمل بهدي الحكمة الصينية القائلة "الرغبة في الشفاء جزء من الشفاء نفسه".

[email protected]

التعليق