د.باسم الطويسي

كيف يمارس الناس السياسة

تم نشره في الخميس 23 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

 

هل كان الاردنيون قبل أكثر من ثمانية عقود يجدون مجالا عاما لممارسة السياسة أكثر رحابة وعمقا مما يمارسونها اليوم؟ يبدو ذلك في طيف واسع من الممارسات وأنماط السلوك والتعبير السياسي، التي لا تقف عند حد المقارنة بين سلوك الحكومات ونخبها في حقبة التأسيس، مقارنة بما يحدث اليوم في زمن الحداثة وتجاوز التمكين، بل ما يستدعي النظر العميق هو تحولات المجال الاجتماعي والمدني.

قبل ثمانية عقود، وتحديدا في نهايات العشرينيات ومطلع الثلاثينيات، مارس الاردنيون السياسة بالفعل في زمن تكوين الدولة وتشكل المجتمع، ومارسوا انتخاب المجالس التشريعية الاولى، وقاطعوا الانتخابات أيضا، كان التعبير السياسي أكثر وضوحا وجرأة وعمقا وأقل ضجيجا ولم يكن حمالا للوجوه، وتوضح أدبيات تلك المرحلة كيف صعدت خطابات تحمل قضايا ذات مساس حقيقي بمستقبل البلاد ومصيرها في مواقف الحركة الوطنية أو في حاجات الناس وبقدرتهم على التعبير، حينما أعلنت بعض المقاطعات الجنوبية المقاطعة التامة لانتخابات المجلس التشريعي الثاني.

عملية تحليل مضمون مقارنة للخطاب السياسي والاجتماعي الذي كان يتداوله الناس في دواوين ومضافات السلط والكرك واربد وعمان بين الحقبتين تضع المرء امام مفارقة عجيبة، مفادها أن حجر الأساس في بناء السياسة الوطنية وتكوين الكتل التاريخية القادرة على إنجاز المهام الكبرى في مسار التحولات، موقعه الحقيقي السياسة المحلية؛ كيف يصنع الناس مصائرهم من خلال قدرتهم على رؤية الخيارات والتمييز بينها، والقدرة على التعبير عن القضايا الحقيقية وليس اصطناع القضية أو ممارسة السياسة من دون قضية.

ساد خلال السنوات القليلة الماضية في المجتمعات المتحولة، والأردن واحد منها، أنماط متعددة من التسويق السياسي المملوء بالمفارقات والتزييف أحيانا، بل ومحاولة شراء وعي الناس بدلا من لفت انتباههم نحو رؤية سياسية أو تنموية جديدة، أو تطوير قدراتهم نحو مشاركة سياسية أو تنموية حقيقية، وتمت ممارسة هذا السلوك السياسي من قبل النخب الحكومية والنخب المستقلة وتلك التي تعلن عن نفسها في مقاعد المعارضة، وعلى حد سواء، وهذا ما نحتاج إلى الاعتراف به.

على قدر ما نلتف به من قضايا من أخمص القدم حتى شعر الرأس، تبدو المناقاشات العامة من دون قضايا حقيقية، لا حكومات قادرة على الاعتراف أو الممارسة الجريئة في وقف التكنيس تحت سجادة البلاد، ولا تملك المعارضة والمجتمع المدني رؤية واضحة وقدرة على وصف دقيق للقضايا التي يفترض أن تدور ممارسة السياسة حولها.

في ضوء ذلك، كيف يمارس الناس السياسة؟ خذ على سبيل المثال نماذج من الحوارات التي تدور في ذروة موسم ممارسة السياسة، أيام الانتخابات الحالية؛ في الاندية والمقاهي وفي الدواوين والصالونات، وربما أحيانا في صالات التحرير وغرف الأخبار، ما هي المضامين وأدوات التعبير المهيمنة، وكيف يرتفع صوت الضجيج الاجتماعي والسياسي حتى يصم الآذان عن سماع صوت القضايا الحقيقية.

مشكلة المشاركة ترتبط بشكل جذري بالثقة بالمؤسسات بمختلف أنماطها، والثقة مصدرها شرعية الإنجاز، وما دامت المؤسسات عاجزة عن الإنجاز والنخب من خلفها غير مقنعة، فإنه من الظلم أن نطلب من الناس تصديقها أو الثقة بها.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشعب المظلوم (محمد)

    الخميس 23 أيلول / سبتمبر 2010.
    اشكرك استاذي على هذا الطرح الواقعي ، صحيح ان الثقة مهزوزه بالمؤسسات والنخب ولكن من هو المسبب لها هل هو الشعب ام الحكومات بتفردها بالسلطة وتفصيل القوانين التي تتماشى مع ماتردة دون ان يهتز لها جفن .لا ثقة الا عندما نشعر جمعيا اننا شركاء في ادارة الدولة ومؤسساتها وفي صنع القرارات التي تلبي حاجات المواطنين وتمس حياتنا اليومية ويستطيع الشعب محاسبة الحكومة من خلال برلمان حقيقي يعكس هم الوطن والمواطن لا المصالح الضيقة والفردية والتي تاتي على حساب الوطن والمواطن ، لهذا متى ماكانت المسؤولية مشتركه بين الشعب والجهاز التنفذي فان الثقة تكون موجودة ، وفي ظل الظروف الراهنة نحتاج الى بناء اسس قوية يكون في مقدمتها الاصلاح السياسي والذي بدون لايمكن ان يكون لدينا اصلاح اقتصاديا او اجتماعيا او ثقافيااو ... هذا كله ان كانت الحكومة ترغب في بناء اتجاه ايجاني مع الشعب ،وهنا اطرح سؤال متى نفذت الحكومات الاردنية استفتاء عام حول قضية تهم الوطن والمواطن واخذت برأيه؟