علاء الدين أبو زينة

"التطبيع".. ما هو؟

تم نشره في السبت 18 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

"التطبيع" في التعبير المحلّي الشائع هذه الأيام، هو طلاء الجدران المكلف الذي لا يترك السطح بلون واحد، وإنما يجعله مبقّعاً بالألوان. لكنني أقصد "تطبيعاً"، آخر يترك بقعة، أو لطخة بشعة على الكينونات، والتي يتسوقها البعض لأنفسهم بكلفة عالية. وأعني بالتحديد "التطبيع" مع كائن الاحتلال والفصل العنصري في فلسطين. وليس هذا موضوعاً جديداً بعد كلّ شيء، غير أنه عامر بالالتواءات والمناطق الغائمة بحيث يستدعي التذكير والتأمل معاً.

ومن آخر المستجدات التي تضع موضوع "التطبيع" تحت بقعة الضوء، ما تناقلته الأنباء أخيراً عن نية "إسرائيل" بيع عدد كبير من السيارات المستعملة للأردن، من بين دول عربية أخرى. وليس موضوع السيارات مهماً في ذاته، وإنما ما يتصل به من الاتّجار مع الكيان من حيث المبدأ. والتجارة تعني الربح، وتعني وجود شريك، وهما أمران غير مريحين في أحسن الأحوال. وتتصل التجارة بموضوع التطبيع، بمعنى الاشتقاق من الطبيعي، من حيث افتراض العلاقات التجارية ممارسة طرفين نشاطاً "طبيعياً" وفق المفهوم المقبول لما هو طبيعي. ومن الأسئلة التي تنجم عند هذه النقطة: هل يعتبر وجود هذا الكيان، بما يحيط بنشأته وأيديولوجيته وممارساته، أمراً طبيعياً ومقبولاً على المستوى الوجودي والأخلاقي في المقام الأول؟ وكيف نستطيع أن نقيم صلة طبيعية مع شيء لا نعتبره طبيعياً، إلا إذا كنّا نريد خدمة "تطبيعه"، بمعنى جعله طبيعياً، بهذه الصلة التي نقيمها معه نفسها؟ وهل يخدُمنا على أي مستوى أن نجعل من كائن مشوه، كله أنياب ومخالب تنهشنا نحن، كائناً طبيعياً وعادي الوجود في بيئة لا تقبله؟!

تدخلنا هذه الأسئلة في منطقة شائكة وملغّمة. فثمة عناوين "المصلحة الوطنية العليا" و"الالتزامات الدولية" وما شابه. وقد تجبر المعطيات والحسابات الدولية والإقليمية الدّول على ابتلاع المنجل والدخول في اتفاقيات بروتوكولية مع الكيان، وقد يحاول المرء اعتبار ذلك مفهوما، ولو على مضض. أما غير المفهوم ولا المقبول، فهو أن يشترك الأفراد غير الملزمين بشيء في تحويل بنود الاتفاقيات، غير الطبيعية حتماً، إلى شيء طبيعي، لا لغاية سوى تحقيق ما يرونه مكسباً مادياً مستحقاً. ولا أعرف إذا كان هناك في القوانين ما يجبر أي مستثمر أو تاجر على التعامل مع جهة ما بالتحديد، أو ما يجبر المواطن على شراء سلعة ما على التعيين، سوى قصور بنيوي في الفهم، حتى على المستوى البراغماتي. إن الاعتقاد الخائب لدى البعض بأن جعل الكيان المحتل يجني مكاسب مادية أو معنوية منا ينطوي على أي مكسب لنا، ليس له سند نفعيّ إذا وضعناه تحت المجهر. ذلك أن ازدهار التجارة وتحقيق المكاسب والتقدم تتقوض لدينا باستمرار بسبب وجود هذا الكيان وما رتّبه على الجميع من كلف لا تقدّر. وليس من المصلحة التجارية ولا الوجودية في شيء أن نتبنى ما يساعد في إدامة هذا الكيان، لا على المستوى الفردي ولا الجمعي.

يمكن فهم التطبيع مع العدو، بهذا المعنى، على أنه أي نشاط يخدم منحه شكلاً، أي شكل، أو إدامته وازدهاره. وربما لا يكون من المنطقي والواقعي إنكار وجوده وإقصاؤه من اللغة، لكن من الممكن، بل والضروري الإلحاح على اختزال هذا "الوجود" وتمييعه بحيث لا يتسنى له أن يصبح "طبيعياً". وإذا كانت الدول لا تتقصد ذلك لأي من المسوغات، فإن الناس الذين أثبتت التجربة عدم قدرتهم على اعتبار كائن يحترف قتلهم واستهدافهم طبيعياً، معنيّون بحمل هذه المهمة. وهم معنيّون أيضاً بعزل كافة العوامل والأشخاص الذين يخدمون ترسيخ سمات المؤسسية والشخصية الاعتبارية ووسائل البقاء المادي لهذا الكيان الهلامي.

بالإضافة إلى التجارة كسبيل للبقاء المادي، يستمد أي كيان سياسي بقاءه من بنيته المؤسسية التي تكون له بمثابة الأعضاء والأجهزة في الجسم الحي. ولن تكون لهذه الأطراف غاية عملية من دون اتصالها بالمحيط والتفاعل معه. وبهذا، يكون التفاعل مع الأطراف المؤسسية للكيان الصهيوني تواطؤاً في إدامته، أو تطبيعه. وفي وقت يخوض فيه أحرار العالم حملة لمقاطعة "مؤسسات" الكيان الثقافية والمادية، وسحب الاستثمارات التجارية التي تخدم ديمومته، فإن الأجدر بنا، كعرب وكبشر، ريادة هذه الحملة.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المانجا والسيارات (احترام)

    السبت 18 أيلول / سبتمبر 2010.
    راثع يا استاذ علاء نضيف الى فاكهة المانجا السيارات! ولا نجد من نستورد منه الا اسراثيل هذا ما ينقصنا حتى تصبح حوادث الدهس ايضا بماركة اسرائيلية وكان ليس لدينا من نستورد منه من كل هذه الدول العربية المحيطة بنا غير اسرائيل ما بها المانجا المصرية والسيارات اليابانية والصينية والالمانية ؟
  • »التطبيع .. لمصلحة من ؟ (ماجد الربابعة)

    السبت 18 أيلول / سبتمبر 2010.
    منذ ابرام اتفاقية وادي عربة و بنود هذه الاتفاقية تطبق في بلدنا من طرف واحد . لقد روجت اوساط محلية لهذه الاتفاقيةعلى اعتبار أن الوضع الاقتصادي في بلدنا سيطرأ عليه تحسن ملموس على الصعيدين الوطني و الفردي . ولكننا لم نلمس سوى مزيد من التدهور الاقتصادي و المعيشي و التضخم الذي تزداد وتيرته يوما بعد يوم . و في الوقت الذي تروج فيه البضائع الاسرائيلية لا نجد الكيان المحتل يروج لبضائعنا بل نسمع رفضه لكثير من العروض الأردنية بحجة عدم مطابقتها للمقاييس المعتمدة . لماذا يستثمر الاسرائيليون أموالهم في مشاريع في الأردن و لا نجد ما يقابلها لدى الكيان ؟ لمصلحة من تعفى اكثر من 250 سلعة اسرائيلية في بلدنا من الرسوم و الجمارك ؟ ولك أن تتحدث عن ماهية هذه السلع الاستهلاكية لكثرتها في الوقت الذي تفرض الحكومة المزيد من الرسوم و الضرائب على سلع و خدمات محليةأساسيةلترتفع أسعارها بشكل جنوني اثقلت كاهل الوطن و المواطن . و كل ذلك يجري وفق قوانين مؤقتة في غياب السلطة التشريعية . و أتساءل ومعي كثيرون من المهتمين بالشأن الوطني و السياسي و الغيورين على مصلحة الوطن و مستقبله عن المنافع التي حققها الأردن في كل مراحل التطبيع الرسمي مع الكيان الاسرائيلي الذي دأب منذ قيامه على التنصل من استحقاقات الاتفاقيات المبرمة مع العرب بحجج متعددة . ان الجهود المبذولة لتشجيع التطبيع مع الكيان تصب في عرقلة كل ما يحقق المصلحة الوطنية العليا لأن الكيان يسير وفق خطط ممنهجة لتحقيق مصالحه دونما التفات لمصالح الآخرين و يعتبر نفسه موجودا ضمن محيط من الأعداء المتربصين به، فلمذا لا نتخذه عدوا فحسب خاصة أن وجوده غير شرعي من حيث المبدأ حيث قام على اغتصاب حقوق الغير .
  • »انا مطبع أذن أنا اسير من الأسرى (د. عبدالله عقروق م فلوريدا)

    السبت 18 أيلول / سبتمبر 2010.
    التطبيع نوعان .التطبيع الارادي والتطبيع عير الارادي..فالتطبيع الأرادي هو أن تجعل اولادك يساوك بالشكل والأخلاق والاصالة .التطبيع غير الأرادي عندما يتولى الأولاد الصغار تطبيع ارادتهم على ابائهم .أو بصورة أعم عندما تتولى اجهزة الدولة أن تطبعك بالنبوت ، وتجعلك مطية للصغير والكبير مقابل حفنة من الدولارات لتجعلك اسيرا في كل شيء حتى استعمال الحمام على قول المصريين قبلي أو بحري
  • »التطبيع (الدكتور صالح)

    السبت 18 أيلول / سبتمبر 2010.
    الكاتب والصحفي المبدع علاء أبو زينة أشكرك على هذا المقال الرائع، ويكفي أنك تستطلع لنا مثل هذه الأخبار وتلقي الضوء على تفاصيل ورؤى عميقة يجهلها كثيرون وأنا منهم.