موفق ملكاوي

في الطريق إلى المدرسة

تم نشره في الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

تمايلت أمامي بحركات استعراضية مبالغ فيها، وهي تسأل، كما هو حالها دائما: "هيك حلو؟".

كانت تسألني عن رأيي في ما ارتدته من ملابس خاصة باليوم الأول من المدرسة، وكان لا بدّ لي من أن أجيب بما "لا يكسر خاطرها"، فاحتضنتها، وقلت لها "لا يكون أحسن من هذا".

هذا هو حال ابنتي مع يومها الدراسي الأول للعام الحالي؛ كانت شديدة العناية بأدق التفاصيل في لباسها، خصوصا وأنه لن يتوجب عليها ارتداء الزيّ الموحّد في هذا اليوم.

أما ابني، فقد صحا مبكرا كثيرا، وعلى غير عادته خلال الأشهر الماضية، كان منهمكا في وضع مقادير هائلة من "الجِل" فوق شعره. أخذ منه الأمر وقتا طويلا قبل أن يستتب رأيه على شكل معيّن للشعر، تخلله الكثير من التداخل والتصاعد.

كان، على ما يبدو، غير معنيّ برأيي، ولكنه خجل فيما بعد، وسألني "إن كانت تسريحته حلوة".

بالتأكيد أجبت بالإيجاب، فعلى الأقل أنا لم أشاهد مثلها من قبل، لذا لا بدّ أن تكون جميلة.

استوقفتني كثيرا السعادة الحقيقية التي كانت بادية بوضوح على حركاتهما وعيونهما، وهما يرتبان نفسيهما للقاء المدرسة.

هل المدرسة تستلزم كل هذا الحبور والسعادة؟

عادت بي الذاكرة إلى طفولة قروية بعيدة، مستذكرا الأيام الأولى من الأعوام الدراسية. لا بأس من الاعتراف أنها كانت أشبه بالاستيقاظ من حلم قصير وجميل والارتماء في حضن "كابوس" مزعج اسمه الدراسة.

كنا نفيق متثاقلين ومتكاسلين، ونحن لا نكاد نصدق أن العطلة، بكل نعيمها، انتهت. انتهى الوقت الذي نقضيه خارج البيت من غير حساب، إذ يصبح لكلّ وقت حساب، وسيتعيّن علينا أن نقنع أهالينا أننا درسنا بما فيه الكفاية لكي يسمحوا لنا بـ"فسحة" صغيرة خارج البيت.

منذ اليوم الأول سنكون مجبرين على السير على أقدامنا مسافة 4 كيلومترات لا غير للوصول إلى المدرسة، ومثلها في العودة، وغالبا لم يكن "الراصد الجويّ" يرحم عريّنا لا صيفا ولا شتاء.

في اليوم الأول من المدرسة، كنّا نجرّب جميع الأعذار الممكنة وغير الممكنة، علّنا نفوز بعدم الذهاب إليها، إذ كنّا نعرف أنه سيتعين علينا منذ اللحظة أن نتعامل مع معلمين يكرهوننا بلا سبب واضح. كانوا يكرهوننا بالفطرة، أو لأن ذلك كان من متطلبات المهنة.

كانوا يجهزون عصيّهم وأسواطهم منذ اليوم الأول للدراسة، ولا بدّ أن يستعرضوا عضلاتهم في ذلك اليوم، فيطلقون لساديتهم العنان، غير مكتفين بذلك، بل يزيدون عليها سيولا من الشتائم من أجل فرض شخصياتهم على طلبة مرتجفين من الجوع والعريّ. كان ذلك طقسا لا بدّ منه لـ"ضبع" الطلبة منذ البداية.

هل ما يزال المعلمون يكرهون الطلبة حتى اليوم؟

لا ندري تماما، ولكنّنا اختبرنا العنف على جلودنا سنوات طويلة، لذلك لا نريد لأبنائنا أن يفقدوا عيونا أو أضلعا في رحلتهم الدراسية. نريدهم أن يتعلموا وحسب.

كم أنا سعيد بابني وابنتي اللذين تراكضا بشوق إلى المدرسة، وكم أتمنى أن يظل شوقهما في نمو وتزايد.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الى ألاخوة المحرر والحسام من الأمارات ,وsami من الأردن (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010.
    أشكر من صميم قلبي أول المحرر في موقع الغد لفتح باب التعليقات ، ونشر معظم تعليقاتي ..كما اشكر الأخوة الحسام من الأمارات ، وسامي من الأردن على مرورهما على تعليقي ، فأنا أعتبر كلامهما وساما اضعه على صدري ..نعم فأنا أعيش بجسدي في الغربة ، ولكنني أعيش في البلد الذي أكرمني ، اعيش بقلبي ووجداني ، وبعقلي وبأحاسيس ..فشكرا لكم جميعا
  • »د.عبدالله عقروق (الحسام)

    الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010.
    والله يا دكتور اني بدخل على اعمدة الكتاب من اجل قراءة ما علقت به .لانك بصراحه توضح لنا الامور بطريقه بسيطه وسلسه تاتي من ثقافه عاليه وتاتي في محلها كانك تعيش في الاردن وبين اهلها يفهما الجميع ..شكرا يا دكتور والله يعطيك الصحه والعافيه
  • »الى د. عقروق. (sami)

    الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010.
    الى د.عبدالله عقروق المحترم
    انا دوما اتابع تعليقاتك باهتمام, لكن لم اتمكن الا ان اخالفك الرأي في هذه المرة.
    انا من مواليد 79 , درست في الحكومه و كنت من الطلبه الاوائل على الشعب, و ليس على صفي.
    و مع ذلك كان مساعد المدير ينتظرني على باب المدرسه كل يوم لسبع سنوات ليضربني الساعه 6:30 صباحا ببربيش, و ليس بمسطره و برقّة.
    و كان المدير يستعمل يديه بشكل ممنهج (Systematic) ليضرب بوكس في المعده اولا, و عندما ينحني الطالب من الالم تبدأ الصفعات على الوجه.
    مع ذلك كلما رأيت ايا منهما اليوم اذهب للسلام عليهما باحترام و ارى الفرحة في عيونهما لرؤيتي مهندسا ناجحا و لله الحمد.
  • »لولا عصيهم (سامي الحجاج)

    الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010.
    لا أعرف لما كل هذا التحامل منكم على المعلمين و إتهامهم بشتى التهم الباطله , لقد كانت مرحلت دراستك تتطلب إستخدام العصا , و لولا تلك العصاه لما كتبت هذه الاسطر .
    قليل من الاحترام أيها الكتاب لمربي الاجيال , فقد جار الكل عليهم و لا أحد ينصفهم .
    جربوا التعليم يوما لتعلموا حجم المشقه الملقاه على عاتق المعلمين .
  • »عين الحقيقة (منى)

    الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010.
    لقد عبرت عن هواجس كل الاهالي
    نحن نسلم ابنائا للمجهول كل يوم
    نرجو ان لا يستمر عنف السنة السابقة ولا يصاب اي طالب باي سوء
  • »احساس عارم بالابوة (ام حنان)

    الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010.
    حلو كتير هدا الاحساس العارم بالابوة يا سيد ملكاوي
    احييك من كل قلبي
  • »معلمون ديجيتال (حميدي اف ام)

    الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010.
    المعلمون اصبحوا اليوم ديجيتال.... بس معهم قناوي
  • »ما اختلف شي (روان)

    الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010.
    اوكد لك انو التعليم ما اختلف كثير عن زمان
  • »انا اعتقد انك من موالد 1975 (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010.
    سأحاول أن اتكهن أنك من مواليدعام 1920 لآن ما تقوله كان بالفعل هكذا كما تقول .فأذا كنت في هذا السن اذن هؤلاء الأبناء ليسوا ابنائك لكبر سنك ..فأنا من مواليد عام 1936 فأنني لا اذكر البته أن سنوات الدراسة كانت بهذه القسوة ..طبعا باستثناء المواصلات ..ولآعلمك عن الضرب الذي تتحدث عنه اثناء دراستك فمبالغ فيه جدا ..ولآعطيك صورة عن مدرسة المطران في عمان التي خرجت رؤوساء الوزارات ، وعشرات من الوزراء ، والسفراء ..وطبعا فمدرسة المطران لا تقارن بمدارس الحكومة ،ولكن اردت أن اخذها كنموذج لعمليات الضرب التي خلقت هذه الأجيال الكبيرة والتي استلمت مراكزا قيادية ..كانت عملية الضرب مسموح بها بالطريقفة التالية ..في تمام الساعة 8 صباحاكان يجتمع كل الطلاب من الصف الأبتدائي الآول حتى صف التخرج في قاعة المدرسة ..وكان المدير يقف على المنبر ويقرأ النشاطات ، والأمور الحديدة المستجدة ، والأعلانات ..بعدها مباشرة كان يقرأ اسماء الطلب للحضور الى المنبر ، وكانت معاه مسطرة صغيرة .وكان يطلب من كل طالب أن بفتح بده ، ويضربه برقة على يديه ، ويقول له لماذا بضربه ، وأن الاستاذ الفلاني قدم اسمه ..وبعد الضرب امام كل المدرسة كان كل واحد يذهب الى مكانه وهو متطاطيء الرأس ، وخجلا كيف انه اهين بين الطلبة الأجمعين ,زخبر الضرب كان ينقل للأباء والأمهات خاصة من الأخوة الصغار ، أو أولاد الجيران الشامتون بالشخص المضروب ..أما ايجابية هذه الفكرة المثالية أن الطالب الذي يريد أن يسيء في الصف يعلم ماذا كان ينتظره ثاني يوم ..وكان يحجم عن اقتراف اي شيء مشين حتى لا يهان ..لم يكن الضرب ليوجع الطلاب بل لاحراجه أمام كل الطلاب ليكون عقابا رادعا جدا ..وتخرجنا بألألوف ولم يتعقد أي احد بحياته ...انت تصغرني بسنسين كثيره ، وأتوقع أنك من موالد 75 .وطبعا حينها لم تكن المدرسة كما وصفتها
  • »واجب مزدوج (حمزة مازن تفاحة)

    الخميس 16 أيلول / سبتمبر 2010.
    أمنيتك التي ترجو أن تجدها تتحقق في أولادك بأن يزداد شوقهم الى المدرسة ويتزايد ، وأجب ثقيل يقع عاتقه عليك وعلى نصفك الثاني الجميل بالطبع! ولا تعتبر المسألة نسبية أبداً بين الأبوين فثمة أمور لا تصلح يجيرها للأم وأحيانا كذلك للأب وفلكل شأنه دورة المهم بالتساوي.. فكما تحدثت فإن المدرسة سابقاً كانت بمثابة العو والكابوس اليومي الذي نذهب إليه بأرجلنا وخصوصا في حال وجود معلمين أصحاب نزق وكشرة وتجهم مبالغ فيه.
    واعتقد صديقي موفق ملكاوي لو أنك كتبت سطرا اضافيا تتحدث فيه عن دور (الأم) وواجبها الصباحي في تجهيز الابناء وخصوصا الأطفال أصحاب التجربة الأولى لكان قد اكتمل نصاب هذا المقال الجميل..؟ فان للأم دور لا ينكره أحد. ولا حتى أنا .. تخيل ..؟