ياسر أبو هلالة

في مركز القنبلة

تم نشره في السبت 11 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

التعبير الذي استخدمه مراسل سي بي أس "جراوند زيرو" في وصف مكان وجوده عند  البرجين في غضون انهيارهما، غدا الاسم الشائع لهما. المراسل، عن تخطيط أو بمحض الصدفة، استعار التعبير الذي أطلق على مكان تفجير القنبلة النووية في هيروشيما، أي مركز القنبلة. وليس كما ترجم خطأ الطابق صفر.
 في التعبير إدانة للمهاجمين بقدر ما فيه إدانة لأميركا. فالجحيم الذي عاشه أميركيون في 11 سبتمبر، سبق وعاشه يابانيون لا يقلون براءة عنهم. وقرار استخدام السلاح النووي لم يتخذه حفنة من جهاديين مطاردين في جبال أفغانستان، وإنما اتخذته مؤسسات دولة ديمقراطية واعية.
وسواء كان قرار جماعة أم دولة فإن ملايين البشر يدفعون ثمنه. نحن جميعا اليوم في "مركز القنبلة"، بسبب مركزية الإنسان الأميركي، لا أحد يتذكر هيروشيما، ولا أحد يتذكر 16 سبتمر الفلسطيني في صبرا وشاتيلا والذي قضى فيه زهاء ثلاثة آلاف فلسطيني على يد المليشيات المسيحية برعاية الجيش الإسرائيلي.
عندما أخذت أطفالي لزيارة مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا، كان المكان فقيرا لا يليق بهم. وفيه تجسدت الرغبة في إنكار ما جرى وإهماله، خلافا لجراوند زيرو الذي نحتار في تذكره وتخليده. ونرصد نحو مائة مليون دولار لنقول للأميركيين في مسجد قرطبة "لسنا أرهابيين نحن متسامحون".  في مركز القنبلة ليس من يصهر مع الحديد والنار أو من يستنشق الغبار بل كل من يعيش تلك اللحظة ويتأثر بها. أحيانا تكون  حال المتأثر أسوأ من حال الضحية.
للأسف، يصعب تغيير العالم، وسيظل الأميركي هو المركز، وغيره الأطراف. ويبقى التحدي الأساسي هو كيف تغير أميركا. وقد اعتبر فوز أوباما عنوانا للتغيير. ومن دون ملهة اختبار، اعتبر أن أميركا تغيرت. وفاز بجائزة نوبل بناء على الانطباع الذي خلقه ومن دون أن يفعل شيئا.
 شنت أميركا حربا قاربت كلفتها  نحو ثلاثة تريليونات دولار، قتل فيها زهاء خمسة آلاف جندي أميركي، وتسببت في قتل أضعافهم من الأفغان والعراقيين. ومقابل انهيار البرجين انهار بلدان، ولا يوجد أمل ببنائهما مجددا في الوقت القريب.
 أميركا غيرت من قادوها إلى الحرب، وفي بلداننا لا تغيير. باستثناء التغييرات التي أملاها الأميركيون على المناهج  الدراسية في غير بلد عربي وإسلامي. أما الساسة الذين يصنعون السياسات فلا مساس بهم لأنهم ضمان الاستقرار!
مركز القنبلة الحقيقي كان محمد عطا، أو قل هو القنبلة. فالمهندس المعماري المصري الذي كانت رسالته للماجستير عن حلب القديمة قاد فريق 11سبتمر الذي كان كله عربا ومسلمين، واختار الهدم مع أن تخصصه العمارة. وإلى اليوم لم يتغير شيء على أجيال من المصريين الذين يشبهون محمد عطا. أي أن مصنع القنابل ما يزال شغالا. 
آلاف القنابل البشرية، بعد 11 سبتمبر، انفجرت  في لندن ومدريد وبغداد وعمان والرياض والدار البيضاء وإسلام أباد .. لكن لا مركز قنبلة. المركز يظل بعيدا هناك في أميركا. ويبقى علينا أن نراهن على التغيير فيها. عندنا نظل واحة أمن واستقرار !

التعليق