في مركز القنبلة

تم نشره في الاثنين 13 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

التعبير الذي استخدمه مراسل سي بي أس "جراوند زيرو" في وصف مكان وجوده عند البرجين في غضون انهيارهما، غدا الاسم الشائع لهما. المراسل، عن تخطيط أو بمحض الصدفة، استعار التعبير الذي أطلق على مكان تفجير القنبلة النووية في هيروشيما، أي مركز القنبلة. وليس كما ترجم خطأ الطابق صفر.

في التعبير إدانة للمهاجمين بقدر ما فيه إدانة لأميركا. فالجحيم الذي عاشه أميركيون في 11 سبتمبر، سبق وعاشه يابانيون لا يقلون براءة عنهم. وقرار استخدام السلاح النووي لم يتخذه حفنة من جهاديين مطاردين في جبال أفغانستان، وإنما اتخذته مؤسسات دولة ديمقراطية واعية.

وسواء كان قرار جماعة أم دولة فإن ملايين البشر يدفعون ثمنه. نحن جميعا اليوم في "مركز القنبلة"، بسبب مركزية الإنسان الأميركي، لا أحد يتذكر هيروشيما، ولا أحد يتذكر 16 سبتمبر الفلسطيني في صبرا وشاتيلا والذي قضى فيه زهاء ثلاثة آلاف فلسطيني على يد المليشيات المسيحية برعاية الجيش الإسرائيلي.

عندما أخذت أطفالي لزيارة مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا، كان المكان فقيرا لا يليق بهم. وفيه تجسدت الرغبة في إنكار ما جرى وإهماله، خلافا لجراوند زيرو الذي نحتار في تذكره وتخليده. ونرصد نحو مائة مليون دولار لنقول للأميركيين في مسجد قرطبة "لسنا ارهابيين نحن متسامحون". في مركز القنبلة ليس من يصهر مع الحديد والنار أو من يستنشق الغبار بل كل من يعيش تلك اللحظة ويتأثر بها. أحيانا تكون حال المتأثر أسوأ من حال الضحية.

للأسف، يصعب تغيير العالم، وسيظل الأميركي هو المركز، وغيره الأطراف. ويبقى التحدي الأساسي هو كيف تغير أميركا. وقد اعتبر فوز أوباما عنوانا للتغيير. ومن دون مهلة اختبار، اعتبر أن أميركا تغيرت. وفاز بجائزة نوبل بناء على الانطباع الذي خلقه ومن دون أن يفعل شيئا.

شنت أميركا حربا قاربت كلفتها نحو ثلاثة تريليونات دولار، قتل فيها زهاء خمسة آلاف جندي أميركي، وتسببت في قتل أضعافهم من الأفغان والعراقيين. ومقابل انهيار البرجين انهار بلدان، ولا يوجد أمل ببنائهما مجددا في الوقت القريب.

أميركا غيرت من قادوها إلى الحرب، وفي بلداننا لا تغيير. باستثناء التغييرات التي أملاها الأميركيون على المناهج الدراسية في غير بلد عربي وإسلامي. أما الساسة الذين يصنعون السياسات فلا مساس بهم لأنهم ضمان الاستقرار!

مركز القنبلة الحقيقي كان محمد عطا، أو قل هو القنبلة. فالمهندس المعماري المصري الذي كانت رسالته للماجستير عن حلب القديمة قاد فريق 11سبتمبر الذي كان كله عربا ومسلمين، واختار الهدم مع أن تخصصه العمارة. وإلى اليوم لم يتغير شيء على أجيال من المصريين الذين يشبهون محمد عطا. أي أن مصنع القنابل ما يزال شغالا.

آلاف القنابل البشرية، بعد 11 سبتمبر، انفجرت في لندن ومدريد وبغداد وعمان والرياض والدار البيضاء وإسلام أباد .. لكن لا مركز قنبلة. المركز يظل بعيدا هناك في أميركا. ويبقى علينا أن نراهن على التغيير فيها. عندنا نظل واحة أمن واستقرار !

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الهيمنة الامريكيه (amalalkhaledy)

    الاثنين 13 أيلول / سبتمبر 2010.
    شكرا للكاتب ياسر ابو هلاله على هذا المقال القيم واضيف ان
    امريكا لا يهمها في حربها على الارهاب توافر ادلة وبراهين لانها تكتفي بالشبهة والاشتباه ، فتضرب ضربتها استباقا ولا يهمها اذا كانت نتائجها وجدت ما يبررها على ارض الواقع ام لا ولا تقتصر محاربة امريكا الارهاب على صعيد الدول والمنظمات والشركات والمصارف واصحاب المهن الحرة ورجال الاعمال فحسب بل تفيض عن هؤلاء كلهم لتتناول ايضا مبيعات الاسلحة وحسابات الافراد لدى المصارف ووجهة صرف الاموال وبرامج التعليم وأنشطة الإعلام
    ففي نظرها انها في حالة دفاع عن نفسها المقدسة والتي لا تسمح لأحد ان يدنس طرفها وليذهب باقي العالم الى الجحيم
  • »سلمت يدك! (عزيز)

    الاثنين 13 أيلول / سبتمبر 2010.
    مقال اختصر الوضع .. شكرا.