العهد البائد!

تم نشره في الأحد 5 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 صباحاً

هذه العبارة (العهد البائد)، ربّما كانت تنحدر إلينا من عالَم السّياسة، في حقبة الانقلابات التي امتازت بها البلدان العربية، في الخمسينيّات والسّتينيّات من القرن الماضي، حيث كان الانقلابيّون الجدد يطلقونها في محاولة لتسفيه الحكّام القدامى، وفي الوقت نفسه، تمجيد الدّور الثّوري الديمقراطي المزعوم لأصحاب الانقلاب.

ولكننا لو تأمّلنا الحياة العربية، لرأيناها تعجّ بالانقلابات في شتّى النّواحي، ولرأينا صدى العبارة السّابقة (العهد البائد) يتردّد هنا وهناك، فليست الانقلابات حكراً على أنظمة الحكم، وإنّما هي ممتدّة في المؤسّسة، في الوزارة والشّركة والجمعيّة والمصنع والمزرعة والجامعة والمدرسة والعائلة، وحتى في دور العبادة!

على سبيل المثال، على مستوى الشّركة، وبعد أن يستَتِبّ الأمر للمدير الجديد، يقوم هذا المدير بعقد اجتماع عام للموظّفين، فلا يكتفي بعرض خطّة عمله للمرحلة المقبلة، وإنّما يوضح للموظّفين ملامح النّهج الجديد الذي ستسير على هديه الشّركة، والذي يمكن أن يختلف بشكلٍ جذري عمّا كان سائداً! في هذه الأثناء، سوف يتطرّق المدير الجديد للأخطاء والمساوئ التي وقعت فيها الإدارة السّابقة، وبالتّالي للمزايا التي ستمتاز بها الحقبة الجديدة.

المدير الجديد لن ينسى أيضاً أن يحيط نفسه بمجموعة جديدة من الهتّافين و"البصّيمة"، الذين لا شأن لهم سوى الإشادة به، وبقدراته الخارقة في إدارة دفّة الأمور، حتى لو كان على أرض الواقع مجرّد صفر آدمي.

لكلّ شيخٍ طريقَة. هذا شعار قديم ومعروف للجميع، ونراه يُطبّق مع كلّ مسؤول جديد يعتلي منصباً جديداً. وتحت هذه اليافطة، نرى المسؤول الجديد لا يكتفي بتعطيل الخطط والبرامج السّابقة، وإنّما يقوم بالحطّ من سويّتها وتوبيخها، وفي الوقت نفسه يعمل على إبراز ما هو مناقض ومختلف معها. من هنا لا تتمّ مراكمة الخبرات السّابقة، وإكمال ما بدأه السّلف، وإنّما على العكس من ذلك، الاستهانة بتلك الخبرات، ووضعها جانباً، والبدء من جديد، وربّما من الصّفر.

طبعاً مثل هذا النّهج التّخريبي السّائد سوف ينعكس بالضّرورة على سويّة العمل، وسوف يصل بنا إلى نتائج مخيّبة للآمال، فهو لا يخلق تحريضاً على العمل الخلاق لدى الموظّف أو العامل، بقدر ما يرمي به في دائرة مفرغَة، فيحسّ باللاجدوى، وبغياب البوصلة.

الآن وبعد أن طرحنا ملامح هذا النهج الانقلابي الذي نعاني منه في الحياة العامّة، يخطر في البال السؤال الآتي: من أين جاء هذا النّهج أصلاً؟ كيف تمكّن من الاستمرار في حياتنا كلّ هذه المدّة الطويلة؟ وهل هناك من سبيل إلى التّخلّص منه؟.

هذه الأسئلة وأمثالها ربّما تحيلنا إلى السؤال الجوهري: ما مفهوم الوطن الذي نؤمن به؟ هل الوطن مجرّد حساب في بنك؟ هل هو عقار ننتظر ارتفاع سعره لنبيعه في أوّل فرصة سانحة؟ أم أنّ الوطن شيء مختلف عن ذلك، مختلف تماماً؟ ثمّ ماذا عن الآخرين الذين يعيشون معنا في هذا الوطن؟ هل هم مجرّد درجات نصعدها من أجل الوصول إلى مجدنا الخاص؟ هل هم الجسر الذي ستمشي عليه أقدامنا من أجل الوصول إلى الضّفّة الأخرى؟ أم أنّهم شركاء معنا، شركاء أصيلون في الهمّ والحلم والوجع والضحكة والنّبض؟.

منذ الثمانينيّات حتى الآن، اختلط علينا مفهوم الوطن والمواطنة، فقد تحوّل المواطنون إلى سكّان، والوطن إلى مجرّد ملابس ومنازل بائسة تقي عرينا وتشرّدنا. لقد أصبحنا غرباء في بلادنا. وحدهم الشهداء من ظلّوا يعرفون معنى الوطن.

التعليق