مصر بين 2000 و2010 – المؤشرات الاقتصادية

تم نشره في السبت 4 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

في عام 2000، وعلى الرغم من وعود الرئيس مبارك المتكررة منذ 1981 بتحقيق التنمية الشاملة في مصر ومعالجة الأزمات المعيشية للمصريين الذين بلغ تعدادهم مع بداية الألفية الجديدة 63 مليون نسمة، اتسمت المؤشرات الاقتصادية في المجمل بضعف مخيف. آنذاك، ووفقا للتقديرات الدولية، لم يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي 92,4 بليون دولار أمريكي سنويا، وقبعت النسبة السنوية لنمو الناتج المحلي عند 3,2%. أما الدين العام الداخلي، وهو إجمالي ديون الحكومة والمؤسسات والهيئات العامة تجاه الاقتصاد الوطني، فبلغ في عام 2000 (47) بليون دولار أميركي وتجاوزت نسبته بذلك 50% من الناتج المحلي الإجمالي. وتبعت الديون الخارجية، 29,5 بليون دولار أمريكي، الدين العام الداخلي مسجلة نسبة تجاوزت بقليل 31% من الناتج المحلي.

وباستثناء نسب التضخم، وتلك نجحت الحكومات المصرية المتعاقبة خلال عقد التسعينيات في السيطرة عليها بحيث لم تزد في عام 2000 على 2,7%، وكذلك معدل البطالة المنخفض نسبيا (7,4%)، لم تبشر بقية المؤشرات الاقتصادية بالكثير من الخير. ففي حين سجلت التقارير الدولية لعام 2000 حقيقة أن ما يقرب من 20% من المصريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر (المحدد بدولار أمريكي كدخل اليوم الواحد) و25% آخرون على خط الفقر، استحوذت الشريحة العليا من أغنياء المصريين (محددة بنسبة 10% من إجمالي السكان، أي 6 ملايين من إجمالي 63 مليون نسمة) على نسبة 25% من الناتج المحلي الإجمالي.

واليوم في عام 2010، ومع قرب انقضاء العقد الأول من الألفية الجديدة، كيف يبدو مجمل المشهد الاقتصادي في مصر، وهل تقدمت بنا بالفعل حكومات الحزب الوطني (كما تدعي قيادات الحكومة والحزب في مؤتمرات الأخير السنوية)، أم استمر سوء وضعف المؤشرات الرئيسية ليصل بنا إلى مهابط غير مسبوقة (كما تدفع المعارضة صباح مساء)؟ المؤكد أن النسب والمعدلات والأرقام التي تحويها التقارير الدولية المعتمدة تقدم من الإجابات المركبة على الأسئلة السابقة ما يستحيل تطويعه أحاديا، لا للتدليل على صحة الإدعاءات الوردية الصادرة عن الحكومة والمسؤولين ولا لإظهار موضوعية نقد المعارضة وكامل تجاهل الحكومة لحقيقة حالة مصر في 2010.

وفقا لتقديرات نهاية 2009 بلغ الناتج المحلي الإجمالي 187,3 بليون دولار أمريكي، أي أنه تضاعف عن الرقم المسجل في بداية عام 2000. كذلك حققت النسبة السنوية لنمو الناتج المحلي ارتفاعا غير مسبوقا في الأعوام من 2003 إلى 2007 تجاوز 8%، ثم تراجعت إلى حد ما على وقع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية لتستقر عند 5% للعامين 2009 و2010. وبينما كان المتوسط السنوي لنصيب الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2000 عند 1,447 دولار أميركي، ارتفع هذا المتوسط في عام 2009 إلى 1,990 دولار أميركي على الرغم من استمرار الزيادة السكانية (بمعدل 1,76% سنويا) التي أوصلت تعداد مصر اليوم إلى 83 مليون نسمة. وفي الأمور الثلاثة، إجمالي الناتج المحلي ونسبة نموه السنوية والارتفاع الطفيف في المتوسط السنوي لنصيب الفرد من الناتج المحلي، دليل تقدم وتعاف اقتصادي يرتبط ولا شك ببعض السياسات والإجراءات الليبرالية التي نفذتها حكومة الدكتور أحمد نظيف منذ توليه رئاسة وزراء مصر في 2004 بهدف تحرير الاقتصاد وتحرير السياسة النقدية والتجارية وتشجيع الاستثمار وإصلاح النظم الضريبية. إلا أن التقدم والتعافي الاقتصادي هذا لا يعدو أن يكون سوى الوجه الجميل لمشهد اقتصادي مصري مايزال به من القبح الشيء الكثير.

ولننظر إلى بقية المؤشرات الاقتصادية؛ فنسبة الدين العام الداخلي من الناتج المحلي الإجمالي تجاوزت في عام 2009 80% لتدق ناقوس خطر بالغ على المسار المستقبلي للاقتصاد المصري، بينما بقي إجمالي الدين الخارجي تقريبا على حاله (29,5 بليون دولار أمريكي في 2000 و28,1 بليون في 2009)، وإن انخفضت نسبته من الناتج المحلي بتضاعف الأخير خلال الأعوام الماضية. كذلك خرجت نسب التضخم عن سابق سيطرة الحكومة عليها وبلغت العام الماضي 11,8% بعد أن كانت قد قاربت على 19% في 2008، في حين اقترب المعدل السنوي للبطالة من 10%. هيكليا، استمر غياب التوازن بين قطاع الخدمات من جهة وبين القطاعات الصناعية والزراعية من جهة أخرى. فعلي الرغم من السياسات الحكومية الرامية لتشجيع التصنيع، لم يزد إسهام القطاع الصناعي في الناتج المحلي بين عامي 2000 و2009 سوى بنسبة 2,4% ليصل إلى 38% في مقابل 48% لقطاع الخدمات. بل وتراجع إسهام القطاع الزراعي من 16% في 2000 إلى 13,8% في 2009.

ثم يزداد المشهد الاقتصادي المصري قبحا عندما نطالع النسب والأرقام الخاصة بالفقر وبالفجوة بين فقراء وأغنياء المصريين. وفقا للتقديرات الدولية، تصل اليوم نسبة المصريين الذين يعيشون دون خط الفقر إلى 25% (مجددا محددا بدولار أميركي كدخل اليوم الواحد) وتتراوح نسبة من يعيشون على خط الفقر بين 15% إلى 20%، وهو ما يعني أن التحسن الذي طرأ بين 2000 و2010 على الناتج المحلي الإجمالي ونموه السنوي والمتوسط السنوي لنصيب الفرد منه لم يرتب بعد تغيرات إيجابية بشأن ظاهرة الفقر ونسبة السكان المعانين منها. كذلك رفعت الشريحة العليا من أغنياء المصريين، أي 10% من السكان، نصيبها من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقرب من 28% مقدمة بذلك الدليل البين على تنامي تركز الثروة بمصر واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء.

إن كان هذا هو حال فقراء وأغنياء مصر وحال الفجوة بينهم، فأين تقف الطبقة الوسطى في هذا المشهد الاقتصادي وهل تحسنت أم ساءت أوضاع المنتمين لها خلال الأعوام الماضية، وهل هي إلى تراجع واختفاء كما يزعم بعض المتابعين لحالة مصر أم هي في لحظة تنام وصعود كما يدعي البعض الآخر؟ هذه وغيرها هي أسئلة مقال الأسبوع المقبل.

كاتب وباحث عربي من مصر

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شيء محزن حقيقة (خالد السلايمة)

    السبت 4 أيلول / سبتمبر 2010.
    أسعد الله أوقاتك أخي العزيز عمرو

    قرأت مقالك في الجريدة المطبوعة و لم أجده على النسخة الإلكترونية لأعلق عليه! فطلبت الإخوة الأعزاء في الموقع الإلكتروني لأطلب منهم وضعه على الصفحة الإلككترونية و ذلك لنتواصل معك

    جهد رائع و مشكور الذي تقوم به و حقيقة الأرقام فيها شيء محزن. فالشعب المصري يستحق أن يكون في مركز إقتصادي متقدم أكثر من الوضع الراهن. فكل هذه المقومات التي تملكها مصر و ما زالت مصر مديونة و ما زال الشعب المصري يعاني الأمرين من فقر و بطالة

    شكرآ لك يا دكتور و في إنتظار المزيد منك فمصر تستحق منا كل متابعة إهتمام و الشعب المصري هو السند الأول و الأخير للشعب الفلسطيني.