مناضل في الأربعين

تم نشره في الجمعة 3 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

هذا أقدم عنوانا لمقال فكرت فيه ولم أكتبه بعد، يراودني منذ خمسة عشر عاما. وفكرة "المناضل الأربعيني" هذه جاءتني أول مرة عندما اصطدمت بنماذج مناضلين (فلسطينيين أو في سبيل فلسطين)، أمضى بعضهم زهرة شبابه، وربما قرابة نصف عمره في المعتقلات، ثم وقع في انحرافات خطرة تسيء لماضيه النضالي وللقضية التي ضحّى لأجلها.

البعض أخذ انحرافه شكل الفساد المالي. وبعضهم سقط في مستنقع السلطوية والسعي للتقدم في سلم البيروقراطية والقيادة التنظيمية والفصائلية بوسائل ملتوية، كثيرا ما تأخذ شكل استثمار التناقضات الشخصية والجهوية والثانوية.

تنبهت حينها إلى أنّ حالات الانحراف تزداد (ولا أقول تنحصر) عند المقتربين والمحيطين بسن الأربعين. والتفسير المحتمل لذلك أنّ الإنسان يصبح في هذه المرحلة تحت ضغط مسؤولية عائلته وربما أبنائه وتأمين متطلبات حياتهم. كما يشعر أنّه وصل مرحلة "قطف الثمار"، وبما أنّ "الثمار الوطنية" لم تنضج، فإنّ البحث عن "الثمر الشخصي" يزداد خصوصا مع شيوع المقارنة مع الأقران ممن أصبحوا قيادات وأصحاب مواقع ونجوم إعلام ومؤتمرات ومفاوضات وانتخابات، أو عند المقارنة مع الأقارب والجيران والأصدقاء ممن يمكن أن يكونوا أصبحوا "شيئا محترما" بعيدا عن النضال والسياسة ودهاليزها.

أضف لذلك أن الانحراف يأتي أحيانا بسبب الابتزاز الذي يخضع له المناضل من قياداته التي تربط دخله الشهري بمواقفه السياسية. في عام 2003 قرأت كتابا نشر حينها بالإنجليزية، عنوانه " الجندر، والأمة، والمجتمع في الرواية النسائية العربية". شدني فيه استخدامه أسس التحليل وفق المذهب "النسوي" (feminism)، لدراسة أعمال روائيات، بينهن روائيتي المفضلة سحر خليفة، واللبنانيتان حنان الشيخ وهدى بركات، وأخريات.

وتتبع الكتاب قصص سحق المرأة في سياق الثورة. وكيف تصبح المرأة وسلوكها تحت وصاية قادة الثورة وأمراء الحرب. وكيف تصبح عليها أعباء مضاعفة، كأن تعمل مكان الزوج والأب لتأمين دخل لرعاية الأسرة. كذلك في مثل هذه السياقات، وخصوصا الحرب الأهلية (كما في لبنان)، يصبح عدم حمل السلاح انتقاصا من رجولة الشاب، ويصبح تشبيهه بالمرأة شائعا (بغرض إهانته). ولا يختفي في فصائل الثورات العربية، الفكر الذكوري للتعامل مع المرأة، بل ينمو؛ من مثل رؤية للمرأة دائما على أنّها مشروع مغامرة عاطفية وسوى ذلك.

قبل عامين جلست في مقهى في رام الله، إلى مناضل أربعيني. كان يرفض فكرة الإصلاح الإداري في السلطة الفلسطينية. بعد جدل طويل أقر أنّ الإصلاح سيضر به شخصيا، لأنّ الفصائلية لن تعود أساس الموقع الإداري والمكاسب المادية.

قلت له بصراحة إنّ الذنب هو ذنب من لم يضع مشروعا للتأهيل. كان يجب مراعاة نضاله وسجنه وحتى الآثار الجسمانية التي تركها النضال على الكثيرين بطرق مدروسة تتضمن التعليم والإعداد للمراحل اللاحقة للنضال، من دون أن يكون السجل النضالي مؤهلا بحد ذاته للوظيفة وسبل العيش.

نماذج الانحراف والاضطراب في السلوكيات لدى ناشطي العمل السياسي والثوري، لا تتعلق بسن معينة، وإن كانت سن الحماس والشباب والعطاء والمسؤولية الاجتماعية المحدودة تجعل الشاب أكثر نقاء (في الماضي على الأقل).

للأسف فصائلنا وأحزابنا العربية منذ زمن الثورة في الخمسينيات وحتى الآن في فلسطين، لم تول الإنسان وشخصيته اهتماما حقيقيا، وكثيرا ما كانت ثورات قبلية. فحتى فصائل اليسار لم تخل حقا من خطب ود عشائر وقبائل لتدخل بقرار شيوخها وبالجملة فيها. وحتى الأحزاب الشيوعية والإسلامية مارست الطائفية والعنصرية والجهوية، وبقيت العقلية الذكورية طاغية.

فكرة التربية والإعداد الشخصي إمّا أنها أهملت في فصائلنا وأحزابنا، أو أنه كان لها هدف واحد هو ضمان الولاء الأعمى، وتحويل الحزب إلى قبيلة، والحفاظ على أمراض المجتمع التقليدية مع إسباغ رداء ديني أو تقدميّ عليها.

ahmed.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل نحن استثناء ؟؟ (عماد)

    الجمعة 3 أيلول / سبتمبر 2010.
    صباح الخير

    في التنظير السياسي والفكري لبعض الفصائل الثورية وفي معرض ردها على من يريد الحفاظ على استقلاليته وعدم الانخراط في الحزب حفاظا على حريته وعدم الرغبة في ان يكون تابعالاحد كان جوابهم على ذلك : عندما تنتمي للتنظيم الثوري القائدتصبح جزءا من ارادة التغيير وبذلك تكتسب الحرية الحقيقية !!

    ربما يكون لهذا التعليل صدى واضحا عند هبوب العواصف وعندماتكون في صدام مباشر مع العدو يجعل حالة النقاء والطهارة حالة طبيعيةمما يعطي للعمل النضالي اولوية قصوى تطغى لدى الانسان الطبيعي على المصلحة الفرديةوبغض النظر عن العمر .

    على غلاف الطبعة الاولى لرواية (مدن الملح ) كتب جبرا ابراهيم جبرا التالي :هذه الرواية تمثل الانتقال المفاجئ الصعب والموجع من البادية الى النفط .

    اعتقدان حالةالفوضى وعدم الاتزان التي غالبا ما تصاحب النقلات المفاجئةهوبعض مما اصاب الكثير
    من الحركات الثوريةاثناء انتقالها من مرحلة لاخرى وتقصيرهافي التجهيز للمرحلة الجديدة وعدم التعامل معها كمرحلة ضمن مسيرة طويلة تحتاج الى مزيد من العطاء والتضحية وان اختلفت الصورة والطريقةوالاولويات والوسائل النضالية.

    في اثر الفراشة يقول درويش :الزمن والتاريخ يتحالفان حينا ، ويتخاصمان حينا على الحدود بينهما، الصفصافة العالية لا تأبه ولا تكترث . فهي واقفة على قارعة الطريق.
  • »تحصين الإنسان الفلسطيني مطلب ملح و بقوة (خالد السلايمة)

    الجمعة 3 أيلول / سبتمبر 2010.
    أسعد الله اوقاتك أخي العزيز أبو عمر

    مقالك هام جدآ و يوضح الحاجة الملحة في أن تفكر الفصائل الفلسطينية كافة في حياة أفرادها بطريقة منطقية و بطريقة فيها عقلانية كبيرة

    كلما كان الإنسان الفلسطيني المشتغل بالقضية و مشتغل بالهم الفلسطيني, كلما كان مرتاحآ من جميع الأمور الحياتية, كلما كان عطاؤه قويآ و بلا حدود. و إذا أحس هذا الإنسان أنه غير آمن على حياته و على حياة أسرته من الناحية المالية, قد تسول له نفسه على إستغلال موقعه للإستفادة الذاتية و هنا يأتي هذا على مصلحة القضية التي يعمل من أجلها.

    و أنا هنا أؤكد من وجهة نظري على أن يكون كل من يعمل في الفصائل, وضعهم المادي مرتاحآ بما يتيح لهم العيش بكرامة و عزة نفس حتى لا يتورط في أمور هو في غنى عنها. على القادة الإدراك دائمآ ان أي مشتغل في الهم الوطني لديه أولاد و بنات يحتاجون إلى تعليم جيد و إلى صحة جيدة و إلى حياة كريمة. و على القادة الإطمئنان دائمآ على متانة الجبهة الداخلية و الأسرية لكل المشتغلين بالهم الوطني الفلسطيني. متانة جبهتنا الداخلية ستوفر الأرضية لإنتاجية أكبر و ستوفر الحماية ضد الفساد و العمالة.

    أمر آخر يجب دائمآ أخذه بعين الإعتبار و هو الجانب الروحاني و الديني و الذي يلعب دورآ كبيرآ في تحصين النفس البشرية من العديد من الأمور التي تفسدالداخل.

    موضوع أخير و هو القناعة التي يجب دائمآ طرحها في حياتنا و التي تغيب عن الكثيرين, يعني على جميع المشتغلين بالهم الوطني الفلسطيني أن يكونوا مرتاحين في حياتهم و لكن هذا يجب أن يتماشى مع العقل و لا أن يتجاوزه ليصبح البعض مليونيرية على حساب الشعب و القضية. القناعة كنز رائع علينا أخذ منه ما نستطيع. علينا التعلم من المسؤولين العراقيين الحاليين و الذين وضعوا مصالحهم الشخصية فوق مصلحة العراق لدرجة أن العراق ذهبت 300 مليار دولار في آخر 4 سنوات على الفساد المالي والإداري!

    مقال رائع كالعادة يا أبو عمر