محمد برهومة

التغاضي عن الـ 25 % كي لا تظمأ

تم نشره في الأحد 29 آب / أغسطس 2010. 02:00 صباحاً

"الحِكمة ُ أنْ تختارَ ما تتجاهله". قولٌ قديمٌ، يقدّمُ خزينا من العقلانية والخبرة التي تقول: بعضُ الصمت أجدى من الكلام، وبعضُ الأشياء هي في الظلّ أكثر جمالا منها تحت تركيز الضوء. وجمال الشمس ودفئها لا يمنع فتنة الظل وسكونه، وهكذا هي الحياة: "اختيارٌ مِنْ متعدد"، والحكيم فيها منْ عرَف ما ينبغي عليه تجاهله فاختاره. والخبير منْ أدرك أيّ الأوقات لا تكونُ فيها "الصراحة راحة"، ويكون كظم المشاعر والانطباعات خيرٌ من الوضوح والبَوح.

لسنا ملائكة ، أو مُطلَقي الكمال والنقاء، فالنقص والقصور جزءٌ أصيلٌ من بنية الإنسان. لكنّ الرغبة في مطاولة المثال والكمال، كانتْ دوما محرّك الحضارات والأفكار والفنون والآداب وصناعة الذوق والتمدن على امتداد التاريخ. ولا تكتمل حيازة الحكمة الإنسانية، وخبرتنا في الحياة والناس والأشياء، إلا إذا أدركنا ذلك القصور فيهم/فينا، وتعايشنا مع نقصهم/ نقصنا، وتذكرنا أنهم لم ولن يكونوا يوما "كاملين"، ونحن بالطبع كذلك.

انتظار الكمال ينطوي على سذاجةٍ وضحالةِ خبرةٍ في الحياة، بالقدر الذي ينطوي عليه منْ تعجّلٍ في الحُكم على الأشياء، وتسرّعٍ في الإحاطة بها، وقلّة حيلته في سبر أغوارها.

مثلاً، للنظرة الأولى تبدو المعشوقة باذخة الكمال، لكنّ الأيام والمخالطة والاحتكاك اليومي عنْ كثب، تُظهر لنا صورةً أكثر واقعية لتلك المعشوقة، هي أبعد ما تكون عن المُطلق والكمال، لكن ( وهذا هو المهم)، ليس بالضرورة أنْ تكون هذه الصورة الأكثر واقعية أقلّ جمالا وبهاءً. والوصول إلى هذه النتيجة يرتبط بمنسوب الخبرة والحكمة اللذين نحوزهما. فقصور البشر ونقصهم لا يجعلهم بشعين، ولا ينفي عنهم خِصال الخير والجمال، وليس هذا في البشر وحدهم، بل في الأشياء جميعها، ولو اكتملتْ بضاعة أو صناعة أو تجارة لما تفتّق العقل البشريّ عنْ أيّ منتج أو اختراع جديد، يقدّم إضافة ما ، ويجبر نقص المنتج السابق ويتخطى عوراته، التي لا تتبدى إلا مع التجريب والانغماس فيها، ليأتي بعد الجديد الأكثر جِدّة، معالجا نقصا ومللا، وهكذا دواليك.

إذاً، لنتفقْ على أنّ ثمة ترابطا وثيقا، هو أقرب إلى التواطؤ، بين اكتساب الحكمة والخبرة في الحياة، وبين إدراك نقص البشر والأشياء والأفكار ونقص ذواتنا أساسا، ولعل هذه الخُلاصة هي ما حاك بصدر بشار بن برد حين قال:" إذا كنتَ في كل الأمور معاتباً ...صديقك لمْ تلقَ الذي لا تُعاتبه/ فَعشْ واحداً أو صِلْ أخاك فإنه... مُقارِفُ ذنبٍ مرةً ومُجانِبه/ إذا أنتَ لم تشربْ مِراراً على القذى... ظمئتَ / وأيّ الناسِ تصفو مشاربه".

نحن نخسرُ في حياتنا الكثير من الناس حين لا نقدّر قيمتهم، وأساس عدم التقدير هذا نابعٌ أحيانا من وهمنا أنهم كاملون، أو بعيدون عن مقارفة الحسد والأنانية والنرجسية والغيرة وتقلب المزاج.

أزعمُ أنّ مَنْ لم تتجاوز نسبة تلك الصفات السالبة
الـ 25 ـ 30 % من ذاته وكيانه وسلوكه وطباعه، هو شخصٌ جدير بالمحبة والصحبة ومشاركتنا مشوار الحياة، والمهم، رغم قسوة ذلك على نفوسنا، أنْ نتذكر أنّ من مقتضيات الحكمة، كما يقول الأميركي ويليام جيمس (أحد أهم روّاد علم النفس الحديث) أنْ تعرف ما يجب أنْ تتغاضى عنه.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق