محمد برهومة

"مفعم بالشاي"

تم نشره في السبت 28 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

"ينطوي الشاي على سحر خفيّ يجعله لايقاوَم، ويمنحه القدرة على إسباغ الإحساس بالمثالية. فالشاي ينأى بنفسه عن غطرسة النبيذ، وعن غرور القهوة، وعن البراءة المتكلّفة في نبتة الكاكاو". بهذه الكلمات يحاول اليابانيّ أوكاكورا كاكوزو في كتابه الجميل "كتاب الشاي" أنْ يجذبنا إلى سحر هذا المشروب، ويقنعنا أنْ نأخذه على محمل التقدير والافتتان. وتحاول هذه المقالة أنْ تلخص للقارئ مضمون فكرة الكتاب (ترجمه سامر أبوهواش وصدر العام الماضي عن هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث) الذي مضى قرن من الزمان على تأليفه، وما يزال المرجع الأهم للشاي، ومن أكثر الكتب مبيعا. والكاتب يتعدّى في حديثه عن الشاي بوصفه مشروبا، إلى الارتفاع به ليكون "أسلوب حياة" وفلسفة يختلط فيها الروحي بالدنيوي.

وقبل أنْ يصبح الشاي شرابا، كان عشبة طبية، إلى أنْ أدخلته الصين (وهي موطنه الأول) في القرن الثامن الميلادي إلى مملكة الشعر بوصفه واحدا من المُتع الجميلة. أما في القرن الخامس عشر فقد شهد رفع اليابان للشاي إلى مصافّ المذاهب الجمالية الراقية، لينشأ بعدئذٍ ما يمكننا تسميته مذهب "الشايّية" (على نمط السوريالية...)، أي علم جمال الشاي أو مذهب الشاي.

وينبهنا الكاتب إلى أنه ليس منْ دارسٍ للثقافة اليابانية في مقدوره أنْ يتجاهل حضور الشاي فيها. وفي التعابير اليابانية الدارجة، أنه عندما تصف إنسانا ما بأنه "خِلوٌ من الشاي" فإن هذا يعني أنه شخص جادّ إلى درجة يفتقر فيها إلى الديناميكية والحيوية والانتشاء، أما إذا كان هذا الشخص جامحا في شغفه بالجمال، ويسعى جاهداً إلى تناسي مآسي الحياة الدنيا ومغالبتها، ويعيش ربيع المشاعر الحرّة، فإن اليابانيين يصفونه بقولهم: إنه "مُفعمٌ بالشاي".

ويلفتُ كاكوزو إلى أنّ قائلا قد يقول: لماذا كل هذه الجلبة حول أمر بسيط كالشاي؟ ويجيب كاكوزو على ذلك بتأكيده أنه حين نأخذ في الاعتبار مدى ضآلة كوب المسرّات البشرية، وكيف أنه سرعان ما يطفح بالدموع، حينها ينبغي ألا نقسو على أنفسنا كوننا نحمّل كوب الشاي كل هذه المعاني.

الإنسانية اليوم تلتقي على كوب شاي، بعدما صار هذا الطقس الآسيوي يحظى بالاحترام الدولي.

ولم يكن الشاعر الصيني لو تانغ يقصد سوى هذا الشراب حين كتب: "الكوب الأول يرطّب شفتي وحلقي، والكوب الثاني يكسر وحدتي، والثالث يجوس داخلي المجدب، والرابع يتسبب بتعرّقٍ بسيطٍ تخرج معه من مسامي جميع مساوئ العيش، وحين أصلُ إلى الكوب الخامس أكونُ قد تطهّرتُ...".

كاكوزو يسبغ على الشاي صفات روحية عميقة، تُحببنا بهذا المشروب القريب إلى القلب، والأكثر شعبيةً، فيرى فيه واجبا سريا مشتركا بين الضيف والمضيف، لكي ينتجا في تلك المناسبة ـ وفي حُجرة خاصة تسمى "حُجرة الشاي" ـ أقصى درجات الغبطة الدنيوية. وينبه، في سياق مديحه للأخذ بطقوس ارتشاف الشاي، إلى أنّ الثورة الصناعية جعلت الصفاء أمرا أكثر صعوبة ونُدرةً في جميع أرجاء المعمورة، ومن هنا يتساءل: أتُرانا نحتاج إلى حُجرة الشاي أكثر من أيّ وقت مضى؟!.

محمد برهومة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشاي وما أدراك ما الشاي (أردنية)

    السبت 28 آب / أغسطس 2010.
    آخ على كاسة شاي هلا. ياللا هانت كمان ساعتين بنفطر وبنشرب شاي، وفيه بعض ناس معزومين على كاسة شاي بنعنع ;)
  • »الشاي الأخضر ، وليس الشاي السيلاني أو الهندي (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    السبت 28 آب / أغسطس 2010.
    أن اليابانيّ أوكاكورا كاكوزو يصف الشاي الأخضر ، وهو غير الشاي السيلاني ، أو الهندي الذي نشربه في بلادنا..وكلاهما يختلفا عن بعضهما البعض كليا .وفوائدهما ليست واحدة
  • »الشاي عنوان لاستعادة الحيوية (حسن العمري)

    السبت 28 آب / أغسطس 2010.
    أبدعت يا محمد في اختيارك هذا الموضوع للكتابة . فالشاي كما يسمى عصير الشعوب بمعنى أنه أكثر مشروب يمكن لجميع الناس احتساؤه. وكما للشاي طقوسه في اليابان فله كذلك طقوس رائعة في المغرب فهو هناك عنوان لاستعادة الحيوية بعد تعب وهو كذلك للمتعة ولاجتماع الأسرة والأصدقاء وله طرائق وفنون عندهم وله أباريق خاصة وكاسات متنوعة وعنوان للكرم والضيافة. الطعام والشراب ليسا فقط لتعبئة المعدة أو لإطفاء الظمأ بل هما لجعل الحياة ممكنة ولإعطائها معنى أعمق من مآسيها المتكررة والمتشعبة.