لأمر ما يهتمون بأنف عائشة!

تم نشره في الأربعاء 25 آب / أغسطس 2010. 02:00 صباحاً

 

حمل غلاف مجلة "تايم" واسعة الانتشار يوم 29 تموز (يوليو) صورة لوجه فتاة أفغانية معذبة مجدوعة الأنف. وإلى جانب الصورة طبعت عبارة "ما يحدث إذا غادرنا أفغانستان".. وبعد أيام، نشر موقع التايم الإلكتروني تحقيقا بعنوان "النساء الأفغانيات وعودة طالبان"، ووردت فيه قصة عائشة التي أقتطف لكم جزءا منها:

"طرق رجال طالبان الباب قبيل منتصف الليل، مطالبين بمعاقبة عائشة -18 عاما- بسبب هربها من منزل زوجها.. وسحبوها إلى جبل قرب قريتها في مقاطعة أوروزغان الأفغانية الجنوبية، متجاهلين احتجاجاتها بأن بيت حميّها كانوا يسيئون معاملتها ولم يتركوا لها خيارا سوى الهرب. ولم يتأثر القاضي، وهو قائد محلي من طالبان قال لعمها لاحقا إنها يجب أن تصبح عبرة لفتيات القرية الأخريات اللواتي يحاولن الشيء نفسه. وأصدر القائد الحكم، وتحرك الرجال لتنفيذ العقاب. قام شقيق زوج عائشة بتقييدها بينما سحب زوجها سكينا، وقام أولا بقطع أذنيها، ثم شرع بجدع أنفها. وأغمي على عائشة من الألم، لكنها استفاقت فيما بعد مخنوقة بدمها. وقد تركها الرجال لتنزف على خاصرة الجبل". (انتهى الاقتباس)

وبطبيعة الحال، طارت وسائل الإعلام الغربي بهذه القصة، وتأثرت بها أنا شخصيا وتحمست لكتابة مقالة غاضبة تعاطفا مع عائشة.. وبينما كنت أحاول توثيق معلوماتي بشكل أفضل، صادفت مقالة نشرت في مجلة "ذا نيشن"، غيّرت تماما وجهة مقالتي.. كتبت آن جونز في 12 آب (أغسطس) أنها كانت قد سمعت القصة شخصيا من عائشة قبل بضعة أسابيع من ظهور الصورة على غلاف التايم. وأضافت جونز: "قالت لي (عائشة) إن والد زوجها التقى بها بعد أن هربت، واستخدم السكين على عاتقه، وأقر شيوخ القرية صنيعه فيما بعد، لكن طالبان لم تظهر أبدا في كل القصة". وأشارت إلى أن مطبوعة أخرى زعمت بأن مجلسا من طالبان حكم على عائشة وليس قاضيا واحدا، وتباينت الروايات.

لا يمكن لي، ولا لأي عاقل أن يقرّ معاملة طالبان للنساء، ولا أنا أدافع عنهم. كما لا أجزم بكذب التايم ولا بصدق جونز. لكن شكوك جونز مبررة تماما في ضوء ما نعرفه جميعا عن تجييش الإعلام السائد في الولايات المتحدة لخدمة أجندة الحرب الإمبريالية. ولذلك لا أستغرب فبركة قصة يصعب التوثق من صحتها، وبحيث تخدم نفس الفكرة التي ظهرت إلى جانب الصورة على غلاف التايمز: هذا "ما يحدث إذا غادرنا أفغانستان"، بمعنى أن الاحتلال الأميركي هناك يحمل كل معاني الإنسانية، وخاصة حماية الأفغانيات المسكينات. أما بقية قصة عائشة، فهي أن مؤسسة غربية خيرية تبرعت بتركيب أنف وأذنين لعائشة، وتبنتها عائلة أميركية طوال فترة إقامتها في أميركا.

والقصة مثال على نفاق الإعلام الغربي، ويمكن الجزم بأن قتل إسرائيل ما يقارب 400 امرأة وطفل في عملية غزة وحدها لم يحظ بتغطية تذكر، بالنسبة والتناسب، مقارنة بقصة عائشة. وكأن مصرع الفلسطينيات الكثيرات اللواتي لا بد أن تكون أطرافهن وأنوفهن قد تقطعت أو ذابت في الفسفور الأبيض ليس إساءة لحقوق المرأة! ولم تضع التايم على غلافها صورة الطفلة الغزية مجدوعة الساقين! ولم تحظ آلاف العراقيات القتيلات أو اللواتي تسببت لهن حرب أميركا بما لا يقبله الضمير من الإساءات والعذابات باهتمام كقصة عائشة التي ربما كانت ملفقة من أساسها إلى رأسها. ولا ننسى مئات أو آلاف الأفغانيات أنفسهن، من اللواتي قتلتهن "خطأ" غارات الطائرات من دون طيار أو رملتهن وثكلتهن بلا ذنب قوات أميركا والناتو. وكذلك إساءة معاملتهن الآن في ظل نظام كرزاي الذي نصّبته أميركا.

وهدف نفخ حكاية عائشة واضح: تبرير استمرار الغزو الأميركي، وتسويد الصورة النمطية السلبية التي يروجها الغرب للمسلمين "المتوحشين" الذين يقطعون آذان النساء وأنوفهن لمجرد "الحرد" من بيت الزوج.. ومقارعة تسريبات ويكليكس.

يشبه أنف عائشة الأفغانية أنف قصير الذي تطوع بجدع أنفه ليتمكن من اختراق دفاعات تدمر وإسقاط عرش الزبّاء. وقد استخدمت المؤسسة والإعلام الغربيان أنف عائشة المجدوع ليكون حصان طروادة إضافيا، يبرر المزيد من الاجتياح لحريات الشعوب باسم صناعة الحرية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع (أردنية)

    الأربعاء 25 آب / أغسطس 2010.
    well said