الولايات المتحدة: العزلة أو اللاعزلة؟

تم نشره في الأربعاء 18 آب / أغسطس 2010. 02:00 صباحاً

شهدت فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، دعوات في الولايات المتحدة الأميركية المختلفة إلى وقف قيادة سيارات الدفع الرباعي، وذلك لعدم دعم الدول النفطية، وتحديدا السعودية، لاعتبارها الدولة التي خرج منها منفذو الهجمات. وكذلك كان جزء من فكرة الفلم الوثائقي الذي اخرجه مايكل مور بعنوان "فهرنهايت9/11"، عن أن هناك حالة من تلاقي المصالح بين النخب الأميركية، والسعودية ومنتجي النفط عموما. وإن كانت هذه الدعوات جاءت في سياق ردود الفعل المختلفة على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فإن الكاتب والأكاديمي الأميركي مايكل ماندلباوم، في مقاله في مجلة "التايم"، والمجتزأ من كتابه، الذي سيصدر قريبا، حول مستقبل الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى في العالم، يضع مسألة "مقاطعة النفط"، إن جاز لنا أن نسميها كذلك، في إطار تنظيري أوسع.

يقول ماندلباوم، إن أهمية الشرق الأوسط تكمن في كونه مصدراً للنفط، وهو ما يتسبب بأن تكون تلك المنطقة مصدر تهديد للولايات المتحدة الأميركية، وهو يرى أن الولايات المتحدة لم تنجح في حل الصراع العربي-الإسرائيلي، ولا في وقف البرنامج النووي الإيراني، ومسألة الاستقرار ما تزال غير مضمونة، وعلى ذلك يقترح الأكاديمي في جامعة جون هوبكنز أن يتم تخفيض أهمية الشرق الأوسط الاستراتيجية من خلال خفض استهلاك الولايات المتحدة الأميركية من النفط.

ويقترح ماندلباوم لذلك، تخفيض أسعار النفط مما يحرم إيران، على سبيل المثال من المال للمضي في مشروعها النووي، وفي دعم ما يصفها ماندلباوم بـ "المنظمات الإرهابية". وأيضاً يرى الكاتب أن خفض أسعار النفط يحرم السعودية من الأموال التي تستخدمها لدعم "الوهابية"، والتي كانت مصدرا، برأي الكاتب، لتجنيد العديد من "الإرهابيين"، ومن ضمنهم منفذو هجمات الحادي عشر من سبتمبر. كما أن الكاتب يرى أن هذا سيؤثر أيضاً في قيادات الدول النفطية، غير الشرق أوسطية، التي تعارض الولايات المتحدة مثل هوغو شافيز، وفلاديمير بوتين.

وأما الوسيلة لتحقيق ذلك، فهي سعر الوقود عبر فرض ضريبة اضافية عليه، تجعل الناس يعتمدون أكثر على المواصلات العامة، كخطوة لتخفيض الاعتماد على النفط الشرق أوسطي، وبالتالي تتراجع أهمية المنطقة، ويتراجع التهديد الخارج منها للولايات المتحدة الأميركية. أهمية نظرية ماندلباوم، إذا ما جاز وصفها بذلك، تكمن في أنها تضع كل الدعوات التي ذكرت بداية المقال في سياق التحليل العلمي، ولكن على مستوى التطبيق، يبدو أنها تصب بالنهاية، أو بمنطق التحليل، في مقولات المدرسة الانعزالية الأميركية، والتي تقوم على انكفاء الولايات المتحدة في قارتها، ولا تنخرط في الشأن الدولي خارج حدودها.

وعلى الرغم من أن تطبيق هذا الطرح تقنيا يكتنفه صعوبات جمة، كوجود قوى وميكانيزمات تعمل لإبقاء أسعار النفط مرتفعة، وهي بشكل أو بأخر ترتبط بالوجود الأميركي في المنطقة، وبالتالي، يكون السؤال عما إذا أرادت الولايات المتحدة أن تنكفئ على ذاتها أم لا، فوجود الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط، هو وجود يتمثل في وجود عسكري، وإن كان سينتهي في العراق فهنالك أفغانستان، بالإضافة إلى وجود يرتبط بتحالف تقليدي مع إسرائيل، وغيرها من المعطيات الواقعية.

وبالتالي فإن السؤال الأساسي، هو عن رؤية الولايات المتحدة لدورها الدولي، وإن كنت شخصياً أعتقد أن الاستمرار بلعب دور القوة العظمى بات أمراً لا يمكن للولايات المتحدة العودة عنه، فإن طروحات كطرح ماندلباوم، تعبر عن حالة القلق الاستراتيجي، إن جاز التعبير، الذي تمر فيه الولايات المتحدة الأميركية خاصة مع بروز الدور الصيني، وبدرجة أقل الاتحاد الأوروبي وروسيا كقوى عظمى، وأيضاً الدول الإقليمية كالبرازيل، والهند، وغيرهما. ولكن على المستوى العام، يلاحظ أن بروز طروحات من هذا النوع يثبث أن الشرق الأوسط بات يتحول عبئا على الولايات المتحدة الأميركية، وقد يكون الأمر سيان للقوى الدولية الأخرى.

[email protected]

التعليق