البغدادي يرفع رأسه في القبر

تم نشره في الخميس 12 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

بهدوء انسحب الكاتب والمفكر الكويتي الدكتور احمد البغدادي من الحياة.

صحيح أنه صارع الموت بمعاناة طويلة امتدت أكثر من عام، حتى أنه قبل نحو ستة أشهر أعلن طبيبه أنه بحاجة الى معجزة للخروج من أزمته، وبجسارته استطاع البغدادي أن يحقق المعجزة، ويتعافى قليلا، عاقدا صفقة بين قلبه الضعيف والبطارية التي كانت تنعشه، ليعود إلى الحياة من جديد، ويكتب وصية خاصة طالبا فيها من صغيره أسامة "أن يرفع رأسه حتى لو كان في القبر".

البغدادي، مفكر وأكاديمي كويتي بارز ذو توجه علماني، ولد في 1 كانون الثاني (يناير) 1951. ويُعد من أكبر الناشطين في الحركة الليبرالية في الكويت والمنادين بعلمنة القوانين، وقد مارس البغدادي مهنة التدريس في كلية العلوم السياسية في جامعة الكويت.

حصل على ليسانس علوم سياسية واقتصاد من جامعة الكويت العام 1974، ثم ماجستير في الفكر السياسي الغربي من جامعة كلارك الأميركية العام 1977، ثم دكتوراه الفلسفة في الفكر الإسلامي من جامعة أدنبره في اسكوتلندا العام 1981.

بدأ الكتابة بمجلة المجتمع الكويتية التابعة للإخوان المسلمين، ثم خرج منهم ليكتب بمجلة الطليعة اليسارية، وتنقل بالكتابة في أماكن مختلفة، وكتب عمودا بعنوان "أوتاد" في جريدة السياسة الكويتية، كما كتب في صحف خليجية أخرى، وفي العام 1999 كان أول سجين بالكويت دخل السجن بسبب قضية رفعها عليه قراء متشددون اعتقدوا بأن ما كتبه بصحيفة جامعية هو تعد على الدين.

عرفت المرحوم البغدادي عن بعد أولا، عندما فاجأني قبل عامين باتصال هاتفي، يعرفني بنفسه، ويحذرني بلهفة الأب أن "أدير بالي على نفسي"، وألا أتوسع بالكتابة حول الحركات الاسلاموية وتصرفاتها، وأن لا أطمئن كثيرا لخطابها الذي يدعو إلى الحريات، فبعضها يتحدث عن صيانة الحقوق الوطنية، لكن حوصلتها ضيقة أمام النقد، ويدها طائلة في كل مكان.

كان المقال الذي لفت نظره حول الأنفاق في قطاع غزة، وكيف تقوم حركة حماس باستيفاء رسوم على إنشائها، كما تقوم بتحصيل ضرائب على كل ما يدخل قطاع غزة من بضائع.

بعد هذا الاتصال الودود، أصبحت صديقا للدكتور البغدادي، وحريصا على قراءة مقاله اليومي، ومتابعة أخباره، ومحاولاته مواجهة كل أشكال الفكر المتطرف.

لقد أهدى البغدادي الى المكتبة العربية العديد من المؤلفات من بينها تجديد الفكر الديني، دعوة الى استخدام العقل، والدولة الاسلامية بين الواقع التاريخي والتنظير الفقهي، والفكر الإسلامي والإعلان العالمي لحقوق الانسان، ودراسات في فقه السياسة الشرعية، وأحاديث الدين والدنيا: الواقع المفارق للنص الديني...

قبل شهور، وبعد أن غادر مرحلة علاجية صعبة كتب البغدادي وصية شجاعة عبارة عن رسالة إلى زوجته وأولاده، طالبهم فيها بتوزيع الارث بينهم بالتساوي تحقيقا للعدل الذي آمن به، كما دعاهم الى ان يبقوا متحابين ومتعاضدين في وجه الدنيا، وأن لا يلجأوا الى مخفر او نيابة أو قضاء لحل مشكلاتهم، وأن يحترم الصغير فيهم الكبير، ويعطف الكبير على الصغير.

وكان أجمل ما في الوصية كلماته الشفافة الرقيقة إلى رفيقة دربه قائلا "أخيرا يا أم أنور.. لقد كنت نعم الزوجة الصالحة والأم الحافظة لبيتك...شكرا على سنوات العمر الجميلة التي قضيتها معك بحكمتك ورجاحة عقلك".

دكتور أحمد، أعرف أن قلبك قد اعتصره الألم عندما منع الدكتور نصر حامد أبو زيد من دخول الكويت قبل أشهر، لكن ها هو الدكتور أبو زيد يسبقك إلى عالم آخر، قد لا تحتاجان فيه الى تأشيرات لتضيئا فيه عقولنا بفكركما، ورسالة التنوير التي تحملانها.

لك الرحمة ولنا أيضا، وما بدلت تبديلا.

osama.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كيف يحول اللادينيون خلافهم مع الإسلامينن إلى خلافا مع الله تعالى (سلام)

    الخميس 12 آب / أغسطس 2010.
    لست من المنغلقين فكريا، ولا أدعي أني منظر إسلامي، ومع اختلافي مع الكثير الكثير من تصرفات إسلاميي عصرنا ( الإخوان تحديدا) غير أني أتفق معهم في خطوط الفكر الأساسية ، ما أود الإشارة إليه هنا أن الرجل قارع الإسلاميين على مدى سنوات ، و هذا أمر إيجابي و جيد، وفيه من التعددية ما أحب، كون الإسلاميين لا يحتكرون الحقيقة. غير أن الذي لا أستطيع قبوله بحال، أن يقوم الكاتب البغدادي الذي ذكرت بالاجتهاد موضع النص القطعي، و اعني هنا موضوع الميراث و الية تقسيمه، فهي وردت كنص قطعي لا يقبل الاجتهاد، كنت أتمنى ألا ينصب المفكرون العلمانيون( أو ان شئت الترجمة الحرفية للكلمة فهم اللادينيون، ولكن المترجمين الاوائل الذين كان جلهم يتبعون تيار اللادينية حرفوا الكلم عن مواضعه و لم يكونوا أمناء في الترجمة، فحولوا الكلمة إلى العلمانية و اشتقوا منهاوصف العلمانيون) قلت كنت اتمنى ألا ينصب أولئك أنفسهم أندادا لله ، يأخذون من كلامه تعالى و يردون. و اتمنى منك شخصيا ومنهم عموما ألا تجعلوا خلافكم مع الإسلاميين خلافا من الله تعالى جل في علاه.
  • »مشكور (محمد أبوشعبان)

    الخميس 12 آب / أغسطس 2010.
    ان شاء الله يا سيد أسامة أن يكون ذكرك مع ذكره في الدنيا وجزاؤك مع جزائه في الآخرة آمين آمين آمين
  • »قولوها بصراحة (اسامة حسن النفيسي)

    الخميس 12 آب / أغسطس 2010.
    قرأت مقال الكاتب الكريم ووجدته تميز بما يلي:
    -لم يذكر كاتبنا الكريم اسم الله في طول مقاله وعرضه حتى عندما أراد الدعاء للبغدادي قال له"لك الرحمة" ولم يرجع الرحمة إلى الرحمن الرحيم وهو غني عن دعائك.
    -إذا لم تعجبكم الحركات "الاسلاموية"كما تدعونها فلماذا لا تؤسسوا لنا حركة إسلامية حقيقية غير مصابة بأمراض ومثالب الاسلامويين.
    -ليتك لم تفضح "شجاعة" البغدادي بالوصية التي ابتدعها مدعيا تمام الحكمة ليوزع التركة بالتساوي بعد أن رآى ورأيت ان عدل البغدادي أصلح وأحق من عدل الله .
  • »المعجزة (يوسف اللوزي)

    الخميس 12 آب / أغسطس 2010.
    ندع الله ان يرحم أحمد البغدادي .. ويرحمنا جميعا انه سميع عليم .
    اما عن فكره العلماني فهذا شيء اختاره.. وعاش وكتب من خلاله وهو حر بذلك .
    اما ان تقول يا اخ اسامه انه وبجسارته اجترح معجزة الشفاء وتعافى قليلا ..او كثيرا فقد خرجت بهذا عن الحق.
    ولا يعني ان كان توجهك علماني ان تنسب المعجزات لعبد فقير لخالقه .. وهو لم يدعي تأييدا خاصا من الله .. وان كنت ترضى برسول صلى الله عليه وسلم ..فانه قد قال :-( يقول احدكم الكلمة لا يلقي لها بالا . تهوي به في جهنم سبعين خريفا ). اعاذنا الله واياكم منها..
    واصحاب الفكر التنويري خصوصا .. لا يمكن ان ينوروا فكرنا وعقولنا بالتعدي على نصوص وثوابت الدين .. بل يكمن عملهم وعلمهم بمحاربة ما ادخل البشر من عادات او مفاهيم او بدع تخالف النصوص الثابتة .التي أتت اصلا لتنير عقول الناس بعد ان اظلمها الجهل او تحريف النصوص التي سبقتها بقصد او بدون قصد .
    هدانا الله واياكم لسواء السبيل