عيسى الشعيبي

عصفور بنت عيسى

تم نشره في الجمعة 6 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

فاجأتنا صغرى البنات ذات يوم بإحضار عصفور مع قفصه إلى المنزل، وراحت تتعهده إلى حين، ثم ما لبثت أن تركت مسألة إطعامه وتنظيف بيته المعدني لبقية أفراد الأسرة، وسط تذمر واحتجاجات طفيفة متفرقة إزاء هذا التخلي المبكر عن مسؤولية لم نكن شركاء فيها من قبل.

مضى وقت غير قليل على العصفور الذي أودعناه وقفصه في بلكونة صغيرة مزججة، اعتدت الجلوس فيها ساعات المساء للقراءة والتأمل واستقبال الضيوف الطارئين، الأمر الذي مكنني من مراقبة سلوك ذلك الكائن الأسير، وولّد لدي مشاعر تضامنية متصاعدة حياله كمخلوق أساهم شخصياً في سلب حريته.

في إحدى المرات شاهدتُ هذا الطائر المسكين يقوم بحركات احتجاجية، راح خلالها يضرب بجناحيه شبك القفص ويصدر أصواتاً أقرب ما تكون إلى التوسل لفك أسره، الأمر الذي حملني إلى خلع سقف سجنه الصغير وفتح النافذة لإطلاق سراحه على الفور.

وما إن فعلت ذلك حتى ارتقى العصفور أعلى القفص، وجال بعينيه الصغيرتين في أرجاء المكان، ثم أطلق جناحيه للريح. غير أنه لم يبتعد سوى نحو عشرة أمتار ثم عاد إلى مكانه مذعوراً، إن لم أقل مصدوماً من تنشقه نسائم الحرية، وقبع منذ ذلك اليوم في المكان الذي تعود عليه، فيما بقي قفصه بلا سقف.

كانت هذه الحكاية الصغيرة التي لا تستحق الذكر بحد ذاتها مدعاة لي للتفكير ملّياً، ليس في حال العصفور الذي فقد لطول أسره معنى الحرية، وإنما في حالات إنسانية أعرف بعضها عن قرب، تغدو وتؤوب وتتصرف وكأنها في سجن من تدبير ذاتها وصنع ظروفها الموضوعية، خصوصاً أولئك الذين خبروا ظروف السجن لفترات طويلة، إلا أنهم حين خرجوا بأجسادهم من المعتقل ظلت أرواحهم حبيسة هناك.

أحدهم واحد من الأصدقاء المحترمين، أزوره بين الحين والآخر، فأجده دائماً يغلق على نفسه باب ونوافذ منزله، ولا يغادره إلا قليلاً ولأسباب اضطرارية. وحين أدعوه لفتح نافذة يتذرع بشتى الأسباب معتذرا، فأقول له مداعبا: يبدو أنك لم تنهِ بعد فترة السنوات العشر التي قضيتها محبوسا في بلد عربي مجاور، فيرد ضاحكا، وأستسلم أنا لمشيئته.

وأعرف شابا كان لتوه قد كوّن أسرة صغيرة، ثم قادته ظروفه إلى ارتكاب جنحة أفضت به إلى السجن لقضاء فترة محكوميته، ثم تكرر بعد ذلك دخوله وخروجه، حيث كان في كل مرة يغادر السجن يعود لارتكاب جنحة أخرى كي يعود إلى المكان الذي بات أثيرا على نفسه، وإلى جو رفاقه المحببين إلى قلبه.

على أي حال فقد أدت عودة العصفور إلى قفصه طائعا إلى إطلاق عنان التفكير لديّ للتمعن في أحوال كثيرين من حولي. فوجدت أن الجميع على وجه التقريب يعيشون في سجون من صنع أنفسهم، وأن عقلية السجن هي أكثر العوامل تأثيرا في حياتهم اليومية وردود أفعالهم الظرفية، يستوي في ذلك ذوو مراتب المسؤولية العليا أو أصحاب الالتزامات الشخصية المحدودة.

إذ يبدو أننا، وكل على انفراد، نحاكي ذلك العصفور الذي تقولب عقله الصغير على وضعية السجن. فنحن إما أننا أسرى لرؤيتنا عن أنفسنا أو رؤية الآخرين لنا، وإما أننا ضحايا لمزاعمنا ووظائفنا ومسؤولياتنا، نرسف في قيود المكانة الاعتبارية والواجبات الاجتماعية والمحددات المكانية والزمانية، ولا نملك في الجوهر من حرياتنا إلا النزر اليسير.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اصبت كبد الحقيقه (ابو حرب)

    الجمعة 6 آب / أغسطس 2010.
    اصبت كبد الحقيقه يا صديقي بتطابق دقيق . ولكن ماذا عن عصافير وحمائم غزة ونسورها ؟ هل لهم نصيب من هذه المقاربة الوجدانيه؟ أهم في لجة الخاطر والبال وانت تناجي عصفورك ؟ تحياتي ابا غسان