إنهم يغتالون القهوة!

تم نشره في الاثنين 2 آب / أغسطس 2010. 02:00 صباحاً

للقهوة طقوس ملونة، ولها أيضا متطلب سابق على تلك الطقوس، هو سبِق الإصرار على إتيانها رشفا متواطئا من قِبل العشاق، والمولعين بانتظار مواعيدهم المضروبة من قبلُ عادة.

القهوة مغناطيس الحواس، ولانثيال عِطرها مع أنفاسنا إغواء للشفاه الذبلى بالتعب، أو للأجسام المغالبة للنعاس أملا في سهر محتمل، إنها نسياننا المتعمد بأن لا يتذكر كلانا، ما الذي جرى من قبلُ لزراعها أو موصليها لنا، وأين هم الآن بالتحديد؟ بعد مضي آلاف السنوات على اكتشافها؛ عشبة برية الروح، مذاق بني اللون، وصولا لطعم فائض السكر أو من دونه. عندها فقط تغدو القهوة صنوا للمزاج، أو مرآة لهوية متناولها، أو حدسا فضوليا بشخصية طالبها وشاربها في آن، وباختصار كثيف، قولا لي ما هي قهوتكما المفضلة، أقل لكما ما هي أبجديتكما في كتاب الحياة المشرع على صمت اللغات.

القهوة اكتمال للثنائيات واعتداد بإرثهما منذ سفينة نوح توثيقا، وحتى آخر حرفين قد يتوادعان على مسرح لغاتنا الذبلى من رصيد أعمارنا الدامع على فقد القهوة والتاء الأنثى.

القهوة بالضد من الزاعمين السذج بأن السرعة عنوانها، وأن النار وقودها، وأن الفناجين نهايتها إذ لم يتمثل هؤلاء البلهاء حقا، قولة الراحل المبدع محمود درويش "إن الفناجين الداكنة تُفسد طعم القهوة"، ألم أقل بُلهاء من قبل، فهم لا يدركون بامية ذائقتهم، أن للقهوة سلطتها على مملكة الفم، وأنها وحدها القادرة طوعا على إلغاء الحياد من على شجيرات الفم ولسانه معا، ملوحة أو حموضة، وليس انتهاء بحرقتهما على مغادرتها حلوقنا باتجاه الجوف الأكبر بدواخلنا.

بقيت القهوة السادة جزءا من الذاكرة والممارسة الجماعية لدى أبناء وعشائر مجتمعنا الأردني بجذوره البدوية/الريفية، فهي "الاسم الحركي" لحل مجمل القضايا والخلافات العالقة بين أبناء مجتمعنا الذين امتثلوا ضمنا إلى أن فنجان القهوة واحد من أدوات الضبط الاجتماعي غير الرسمية والشفاهية المتناقلة من جيل إلى آخر، ودائمة الحضور والالتزام وكأنها قانون مكتوب، فهي مُفتتح الحديث في فك النشب بين المتخاصمين أفرادا وجماعات، والمُقرِب الاجتماعي والدلالي بين طالبي الزواج وذويهما، مثلما هي التعبير المهذب عن دعوتنا الآخرين لتناول الطعام "متى رح تشربوا عنا فنجان قهوة"..

أما الآن فقد فقدت القهوة بريقها وسطوة حضورها بعد أن أصبحت بحدود ومعاني السائل الأصم المتناول من الجميع على شكل وجبات سريعة ومع الباعة وفي كل الأماكن، وتنحسر وبصورة واخزة في رجال يلبسون الزي العربي ويستعطون إكراميات الزبائن في المطاعم السياحية، فغدت منزوعة من المعاني النبيلة والاجتماعية لطقوس ومضامين تقديمها للخواص ابتداء وكما يقال أردنيا "القهوة خص، والشاي قص".

أليس الذي يجري اغتيالا للقهوة الأنثى بمعانيها العفيفة، ويمكن أن نطلق عليها جرائم شرف لمعاني القهوة/ الهوية العربية في مجتمعنا؟

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشموخ الى اين؟؟؟ (saleh)

    الاثنين 2 آب / أغسطس 2010.
    كفيت وفيت وازيدك من الشعر بيتين فوق بلوه الشحده بالقهوه بالفنادق المصيبه انه معنقر بالكوفيه الحمراء رهي الرمز والباقي عندك ياطويل العمر
  • »راااااااااااااااائع (هنادي الصرايرة)

    الاثنين 2 آب / أغسطس 2010.
    رائع جدا يا دكتور الفاضل دكتور حسين محادين
    اعجبتني كثيرا هذه المقالة وخاصة كلماتها المنتقاه بدقة وعفوية وخاصة هو سبِق الإصرار على إتيانها رشفا متواطئا من قِبل العشاق، والمولعين بانتظار مواعيدهم المضروبة من قبلُ عادة.
    وكمان أليس الذي يجري اغتيالا للقهوة الانثى بمعانيها العفيفة
    تعابير في غاية الروعة بس ما راح انسى فنجان القهوة اللي ب 3 دنانير ونص
  • »فكرة مكررة (meshmohem)

    الاثنين 2 آب / أغسطس 2010.
    الموضوع مكرر، نشر في جريدة الرأي مقال يتناول نفس الموضوع للكاتب أحمد الزعبي في جريدة الرأي بتاريخ 15/7/2010 ولكن هنا تم طرح الموضوع نفسه من وجهة نظر مختلفة
  • »لن تغتال القهوة (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الاثنين 2 آب / أغسطس 2010.
    لن تغتال القهوة ما دام هنالك من يقدر قيمتها المعنوية أو الأجتماعية ..وستبقى مرتبطة بعاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا ..ولن يقلل من قيمتها أنها اصبجت تباع اينما كان ..المهم أنها مصدر عيش لاسر كثيرة، وملاذا للمسافرين على الطرقات ، والمراجعين من عناء المعاملات الحكومية ..القهوة صديقة الأنسان التي تتجاوب مع تنوع طباعه ، وهل التي تستلم بأمان لأصدقائها الذين بعشقونها .وما دامت في هذه النشاط فلن تغتال ابدا..وأنصح شاربيها أن يتناولوا كوبا من الماء قبا شربها لتغسل بعض رواسب الأكل العالقة بالفم . فأن لم تنطف بشرب الماء فستفسد طعم القهوة
  • »مش فاهم اشي بس معك حق (مش فاهم P:)

    الاثنين 2 آب / أغسطس 2010.
    مبدع مبدع الدكتور حسين بس الصراحة بس فهمت اخر فقرتين ’’’ يعني لو تظلو تنشرو لبعض مقاالات الدكتور نسختين وحدة بلغة نفهمها ووحدة زي ما هو كتب يعني حرام نضيع فرصة قراءة مقالاتو بدون ما نفهم شي
    دكتور خفف شوي من لغتك القوية في عوام بدها تقرأ !!! بس والله مبدع من الموضوع المختار