عيسى الشعيبي

كأسان.. أحلاهما مرّ

تم نشره في الأحد 1 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

لم تكن قسمات وجه كل من الأمين العام للجامعة العربية والرئيس الدوري للجنة المتابعة العربية، وهما يعلنان الموافقة المبدئية على استئناف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، تدل على سعادة صاحبيهما باتخاذ مثل هذا القرار من قبل لجنة ذات صفة استشارية ومحتوى رقابي في حدوده الدنيا، تحولت إلى أخرى صاحبة كلمة فصل في أمر سيادي لم يسبق لجهة عربية أن فوّضت ما يوازيه لمؤسسة الجامعة أو غيرها.

ومع أن قراءة الوجوه وتعبيرات حركة الجسد لها أربابها المختصون في علم الفراسة ودهاليز عالم التحليل النفسي، إلا أننا نجيز لأنفسنا استهلال الحديث عن مسألة المفاوضات المباشرة من بوابة قراءة الوجه ونبرة الصوت وإيماءات الحركة، لعلنا بذلك نمتلك القدرة على فهم جوهر ما اعتمل في نفوس وزراء الخارجية العرب وهم يجيزون قرار استئناف جولة مفاوضات مباشرة جديدة.

إذ يبدو وكأن لسان حال المؤتمرين العرب في مقر جامعتهم، كان يقول إنه لم يكن أمامنا على المائدة سوى كأسين أحلاهما مرّ، وأنه لا مفر من تجرّع أحدهما حتى الثمالة، فإما أن نتناول كأس رفض هذه المفاوضات، مديرين ظهورنا لجملة طويلة من "النصائح" الدولية، ويجري من ثم تحميلنا وزر تفويت فرصة سلام سانحة، وإما أن نمضي مع العيّار إلى باب الدار، مفوتين عليه تمرير لعبة الخداع والمراوغة.

وأحسب أن بعض أعضاء لجنة المتابعة، من ذوي الخبرة العميقة في حقل العلاقات الدولية، كانوا يتساءلون سؤال العارف ببواطن الأمور: ما هو البديل الواقعي، وما هي الأوراق العملية المتاحة، إذا ما رفضنا خيار المفاوضات المباشرة، ثم ما هو حجم المكاسب السياسية الضئيلة المترتبة على قرار الموافقة وما هو حجم الخسارات المقابلة إذا ما اتخذنا قرارنا بالرفض، وبالتالي أي الكأسين المريرين أقل مرارة من الآخر؟

وبما أن العمل الدبلوماسي قادر على اجتراح الحلول، وأن السياسة ذاتها هي فن الممكن، فقد اهتدى وزراء الخارجية، أعضاء لجنة المتابعة، إلى تقديم نصف إجابة ونصف حل للخروج من دوامة مأزق من ليس لديه خيارات كثيرة، فبدوا في إجابتهم المبدئية هذه وكأنهم يردون على أسئلة الأميركيين والأوروبيين "الناصحين" باستئناف المفاوضات المباشرة، وليس على المناورة الإسرائيلية المكشوفة سلفا.

وبقرار لجنة المتابعة هذه التي حملت على أكتافها مسؤولية ثقيلة الوطأة، يكون المراهنون على إحداث شرخ ما في العلاقة القائمة بين حكومة بنيامين نتنياهو وإدارة الرئيس باراك أوباما، وليس بين إسرائيل والولايات المتحدة، قد اتخذوا قرارا باستئناف هذه المراهنة التي فشلت في الجولة الأولى، أكثر من كونهم اتخذوا قرارا باستئناف مفاوضات ثنائية لا مستقبل لها. بكلام آخر، فإن قرار لجنة المتابعة، بصيغته التوفيقية هذه، كان في واقع الأمر يلامس هموم الإدارة الأميركية واهتماماتها الإقليمية الواسعة في هذه المنطقة، إن لم نقل إنه كان بمثابة دفعة على حساب مؤجل الدفع وعدت إدارة أوباما بتسديده لاحقا من رصيد قضايا أخرى تهم العرب كثيرا، بدرجة لا تقل إلحاحا عن القضية الفلسطينية التي لا تحتل سوى بند واحد من بنود قائمة هموم كونية أميركية تمتد من كوريا الشمالية ولا تنتهي في قلب الصحراء الإفريقية.

وإذا كان مقدرا لهذه المقامرة الدبلوماسية أن تحقق أمرا مرغوبا به في المدى القصير، فإن أكثر ما يمكن أن تحققه والحالة هذه أن تكبح من قدرة إسرائيل على استئناف مخططاتها الاستيطانية بعد انتهاء فترة التعليق أوائل أيلول المقبل، حيث تصبح المفاوضات المباشرة غير قابلة للتحقق إذا ما رافقتها عمليات استيطان محمومة، فيما سيبدو الاستيطان عندئذ كقرار إسرائيلي متعمد بتفشيل هذه المفاوضات سلفا إن لم يكن إلغاؤها مسبقا.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لماذا قسمات الوجوه شاحبة ؟ (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأحد 1 آب / أغسطس 2010.
    اتنتاجاتك وتحاليلك وفراستك في امور السياسة قد أضعتها كلها بهذه النتيجة التي توصلت اليها .فالأ مين العام لجامعة الدول العربية ، وكل المفاوضين ، والممثلين والناطقين سيقطعون عنهم- لو أن المفاوضات ادت الى صلح نهائي - ابواب ارزاقهم لآن المياومات التي يتقاضوها لأجل المؤتمرات وألأجتماعات ستغلق ابوابها ، خاصة عمرو موسى الذي يتقاضى عشرة مرات راتيه من المياومات التي يحصل عليها ، وسوف ينحرم من رؤية اصدقائه والولائم اليومية التي تقام على شرفه ..لهذا نرى قسمات وجوههم شاحبةوكأنها تعبر أنهم غير راضين بسلام نهائي لآن سبل الرزق ستشح.اللاعبون العرب كلهم يعرفون
    أن الحل مطبوخ ، وسيقدم لهم على موائدهم للتوقيع عليه عندما هم اصحاب المطبخ يقررون ذلك