عيسى الشعيبي

ما هكذا يا سيف تورد الإبل

تم نشره في الأحد 18 تموز / يوليو 2010. 02:00 صباحاً

العنوان أعلاه من مأثورات الأمثال العربية المتداولة كابرا عن كابر منذ الزمن الجاهلي الأول، وهو يضرب لمن كلّف نفسه أمرا لا يحسنه. وقد استبدلنا فيه اسم سعد بن تميم بن مرة باسم سيف، في إشارة إلى سيف الإسلام معمر القذافي راعي سفينة الأمل المخيبة بمسراها ومرساها آمال المحاصرين في قطاع غزة وخارجه.

وقد غالبت نفسي طويلاً للإفلات من قبضة هذه الفكرة التي كلما قلّبتها أكثر فأكثر، استبدت بي وآلمتني أشد فأشد، لا سيما وأنني أعلم سلفا أن جمهور المخاطبين المفعمين بنبل قصد المتضامنين على "الأمل" وحُسن طويتهم من جهة، والمصدومين في الوقت ذاته من سوء أداء الرعاة من جهة ثانية، لا يودون قراءة إلا ما يروق لهم، ولا يرغبون بمناقشة الحقيقة إذا كانت مرة.

وبعيدا عن المقارنات التي دائما ما تكون ظالمة للطرفين معا، فإن أحدا لا يستطيع الإفلات أيضا من غواية عقد مثل هذه المقارنة البائسة بين الأداء الباهر الذي تجلى من على سطح سفينة مرمرة قبل نحو سبعة أسابيع، وبين ما جرى على دكة سفينة الأمل الليبية، ليس لجهة النتائج بالغة التواضع شحيحة العوائد فقط، وإنما كذلك لجهة سوء إدارة المواجهة وضعف الخطاب وخواء إرادة المنظمين من روح التحدي مع بوارج الاحتلال المتحفزة.

فبينما خاض المتضامنون من على ظهر السفينة التركية مواجهة ترقى إلى مستوى معركة نوعية، أدت مضاعفاتها الواسعة إلى تداعيات حشرت إسرائيل في زاوية ضيقة وحملتها على مراجعة حصارها الجائر على غزة، فقد أظهر المتضامنون من على السفينة الليبية (نريد أكل العنب لا مقاتلة الناطور) رغبة علنية في تجنب المواجهة، مع ميول لا تخلو من مكابرة في البحث مبكرا عن مخارج تحقق شيئا من الشعبية، وتضمن تحقيق شرف المحاولة.

وفي الوقت الذي شكلت فيه "مرمرة" ذروة شاهقة من ذرى المواجهة ضد الحصار، وعظمت من درجة التضامن الدولي مع المحاصرين في غزة، جاءت "الأمل" لتهبط عميقا بسوية المواجهة، وترسم خط توتر منخفض الوتيرة مع القراصنة، إن لم نقل إنها زادت من حسّ الغزيين بالمرارة وقلة الحيلة وبؤس المعالجة، وإنها قد أبانت لهم في التحليل الأخير حقيقة أن الحصار الظالم متواصل على حاله الراهن إلى ما لا نهاية مرئية.

وإذا كانت الأمور تقاس في الحياة الدنيا بالنتائج لا بالنوايا، فإن ما تجلى عليه الموقف في نهاية مائة وعشرين ساعة من الإبحار المتلكئ لسفينة الأمل، ضاعف من صورة إسرائيل المهيمنة، وعزز من سطوتها على مياه شرق المتوسط وتسيّدها عليه من دون منازع، وكرّس على نحو شائن مظاهر العجز العربي أكثر من ذي قبل، وأضفى فوق ذلك كله على الحصار القائم طابع الاستمرارية إلى أجل غير معلوم.

وبعد التوصل إلى مثل هذا الاستنتاج الباعث على مزيد من الإحباط، المعمق للشعور العام بانكشاف العالم العربي وقصر باعه في معالجة أمر الحصار متعدد الأشكال، حيث الحصار الغذائي أضعف أشكاله، فإنه لا يمكن مداراة الفشل والتستر على سوء أداء موجهي سفينة الأمل، بادعاء لا يمكن تسويقه على العارفين ببواطن الأمور، بالقول إنه تم انتزاع تنازلات إسرائيلية لا سابق لها، وإن السفينة نجحت في تحقيق أهدافها المرجوة.

فإذا كان إيصال الغذاء والدواء إلى القطاع المحاصر هدفا نبيلا لا مراء فيه، فإن أكثر ما يشغل بال المحاصرين منذ ما قبل مسيرات التضامن البحرية والبرية، هو رفع أشكال الحصار الأخرى، التي تبدو وكأنها أمور مسلم بها، خصوصا الحصارين السياسي والمالي، ناهيك عن الحصار العسكري الشامل، وهذه حصارات يدرك الساعون إلى كسب الشعبية المؤقتة أن رفعها غاية كبرى يمكن أن تتحقق عبر معالجات بديلة، يقع في القلب منها توقيع الورقة المصرية وتحقيق المصالحة الوطنية.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال اكثر من رائع (ali al ali)

    الأحد 18 تموز / يوليو 2010.
    شكرا استاذ عيسى على نشر فكرك الرائع