علاء الدين أبو زينة

إسرائيل تحتضر.. الفلسطينيون يكملون اللوحة

تم نشره في السبت 17 تموز / يوليو 2010. 02:00 صباحاً

في العام 1968، وقع الشهيد غسان كنفاني لوحاته "عن الرجال والبنادق" بالعبارة النبوئية: "...أردت منها أن أرسم الأفق الذي أشرق فيه الرجال والبنادق، والذين –معا- سيرسمون اللوحة الناقصة". وبعد 42 عاما، تبدو لوحة غسان الآن وأنها في طور الاكتمال. وكان غسان قد استنهض، بعد سنة واحدة من "النكسة" والخروج الفلسطيني الثاني، إيمان صاحب الحق بالمعجزة، ذلك "الجنين الغريب الذي ينمو في رحم اليأس، ثم يولد في غير توقع من أحد ليصبح جزءا من الأشياء، وتبدو الأشياء، ثمة، ناقصة دونه"..

وعلى الطريق، لم يكن معظمنا متفائلين بسبب كثرة استهداف المشروع الفلسطيني وعثراته. لكن ضيق العالم المتعاظم بحمل خطيئة إسرائيل، وما يكتبه المفكرون الآن عن مآلات القضية تضيء كلها الجانب المتفائل والمعمّى من الحقيقة التاريخية: لم يستطع أي احتلال أن يدوم إلى الأبد (سوى الاحتلال الأميركي وإبادة الهنود الحمر).. وقد استطاعت شعوبنا العربية المتهمة بفقدان الهمة أن تهزم الكولنيالية الشرسة وتتحرر تباعا. وعلى الرغم من السقطات كافة التي ركزنا عليها في مسيرة التحرر الفلسطينية، فإن ثمة حقيقة نهائية بخصوصها تستحق كامل الانتباه: لقد استطاع الفلسطينيون، بالرجال والبنادق والدم والدموع وأشياء أخرى، أن يستولدوا من رحم اليأس، في غير توقع من أحد، مأثرة البقاء المعجز أمام أسوأ مشروع تطهير عرقي وإبادة جماعية شهدهما القرن العشرون بتواطؤ من العالم الرسمي. ولأن المشروع الصهيوني كان أخرق، على الرغم من كل عبقريته الظاهرية، فقد فشل ولم يعد أمامه الآن سوى الرحيل.

وليس هذا خطابا حماسيا، ولا استنتاجي الشخصي، ولا أستنتج غير ذلك، فقد كتب المؤرخ الإسرائيلي البارز آيلان بابي نهاية الشهر الماضي: "منذ العام 1948، ما يزال الفلسطينيون يناضلون ضد التطهير العرقي لفلسطين، وقد تم تشتيتهم جغرافيا وتعذيبهم كما لم يحصل لأي شعب آخر خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ولولا صلابة وصمود حركتهم الوطنية، لاستطاع ذلك التشتيت أن يمكن إسرائيل من الاستيلاء على فلسطين التاريخية، وأن يدفع بالفلسطينيين إلى ثقب النسيان". لاحظوا إقرار "بابي" بفشل إسرائيل في الاستيلاء فعليا على فلسطين التاريخية، واعترافه بجدوى نضال الشعب الفلسطيني وصلابة حركته الوطنية.

وفي أوائل هذا الشهر، كتب الأكاديمي الباكستاني م. علام شديد، أستاذ الاقتصاد في جامعة نورث إيسترن: "من أجل تأمين وجودها بشكل حاسم، يتوجب على الدولة الاستيطانية أن تتغلب على ثلاثة تحديات: عليها أن تحل أولا مشكلة السكان المحليين؛ وأن تستقل عن البلد الأم؛ ثم أن تكسب اعتراف الدول والشعوب المجاورة. ويمكن رؤية أن إسرائيل لم تحقق أيا من هذه الشروط".

وفي محاضرة ألقاها في واشنطن دي سي، يوم 29 نيسان (أبريل) تحت عنوان "مستقبل فلسطين"، يقول البروفيسور جون ميرشيمر: "على العكس من أماني إدارة أوباما ومعظم الأميركيين، بمن فيهم العديد من اليهود الأميركيين، لن تسمح إسرائيل للفلسطينيين بأن ينالوا دولة قابلة للحياة لهم في غزة والضفة الغربية. وللأسف، أصبح حل الدولتين الآن ضربا من الخيال. وبدلاً من ذلك، سوف يتم ضم تلك المناطق إلى "إسرائيل كبرى"، والتي ستكون دولة أبارتهيد تحمل شبها ملحوظا بجنوب إفريقيا تحت حكم البيض. ومع ذلك، لن تكون دولة الفصل العنصري اليهودية قابلة للحياة، سياسيا، على المدى الطويل. وستصبح في نهاية المطاف دولة ديمقراطية ثنائية القومية، والتي سيسيطر مواطنوها الفلسطينيون على السياسة فيها. وبكلمات أخرى، فإنها ستتوقف عن كونها دولة يهودية، ما سيعني نهاية الحلم الصهيوني".

وختم ميرشيمر بالقول: "باختصار، ثمة مخاطر كبيرة أمام الفلسطينيين، الذين سيستمرون بالمعاناة المريعة على أيدي الإسرائيليين لبعض السنوات المقبلة. لكن يبدو أن الفلسطينيين سوف يحصلون أخيرا على دولتهم، بشكل أساسي لأن إسرائيل تبدو منكبة بدأب على تدمير ذاتها".

ولأننا لا نصدق بعضنا ونصدق الآخرين، فلن أقول بشارتي. ولن أستشهد بدراسة "السي آي إيه" الأخيرة التي تحدثت عن نهاية إسرائيل خلال 20 عاما. لكن على جميع الذين رتبوا رهاناتهم على بقاء دولة الكيان إعادة الحساب. وعلى "الرجال والبنادق" التقاط البشارة، والانكباب بكامل الهمة على رسم اللوحة التي بدأت تكتمل.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام أكثر من رائع (خالد السلايمة)

    السبت 17 تموز / يوليو 2010.
    أسعد الله أوقاتك الجميلة أخي الكاتب

    مقال رائع و جميل و يعيد الأمل في النفوس حتى نعمل بجد و إخلاص لفلسطين. أشكرك على هذه التحفة
  • »Good point (Hasan Abu Ali)

    السبت 17 تموز / يوليو 2010.
    Thank you Sir for this well written article. That is why as palestinians we need to ask for one country that encompasses both Jews and Arabs. With this being said, the current Israeli Leadership are fully aware fo this challenge and that is the main reason for asking for a Jewish state. I think this will give them potentially more than 20 years to stay as a viable state. Give it to them they are always smart in finding new options and approaches to survive. You learn a lot from this state. Let us keep watching. Hasan Abu Ali
  • »La Fuda Fooka (Abdallah Mohammad)

    السبت 17 تموز / يوليو 2010.
    Great analysis. I agree ya Sadeki.
    Abdallah USA