محمد برهومة

جدلية "الوحي" و"الوعي"

تم نشره في الجمعة 16 تموز / يوليو 2010. 02:00 صباحاً

تردي الواقع العربي والإسلامي يقدّم، في كثير من المجالات، فهما مترديا للإسلام، كما كان يقول المرحوم نصر حامد أبو زيد، الذي كان يؤكد أن التطرف الديني لدينا هو جزء من منظومة اجتماعية كلية وتكوين عام، ومن هنا لم يكن تشددنا دينيا فقط بل كان كذلك اجتماعيا وسياسيا وأخلاقيا. أيْ أنّ لدينا مشاكل أوسع من مجرد الفهم الخاطئ للدين وضرورات إنتاج آليات في التفكير والتحليل والتفسير من شأنها جعل الدين محرضا على التمدن لا ضدا له.

إنّ نضال الإنسان لاكتساب حقوقه المدنية وشروط المواطنة والعيش الكريم يقدّم وعيا أكثر رقيا لاستقبال الدين، وجعله حافزا على الإبداع والحرية والارتقاء بالإنسان وتحسين شكل الحياة. وإن الضعف السياسي العربي وانكسارات الذات يُضعفان فرص النهوض الفكري، واجتراح مبادرات جريئة في معالجة "الذاتي"( وهو الأوسع مجالا والأكبر مساحة) في عطالتنا الحضارية وتأخر إقلاعنا. من هنا، فإن الإصلاح الديني لا يشتغل من دون ظروف وروافع وحواضن تسوّغه وتدعمه وتفتح آفاقه وتصنع أجندته.

الإصلاح الديني العربي يعاني شح المبادرات الناجحة من حوله في المجالات المختلفة (العلمية والفنية والاجتماعية...). وحتى اليوم لم تخلق السلطات العربية شرعيتها السياسية من دون السيطرة على المؤسسة الدينية وخطابها الرسمي المبثوث عبر المناهج الدراسية والإعلام الرسمي.

بمعنى آخر، إن من أهم أولويات الفكر الإسلامي اليوم لكي يكون جزءا من التمدن والعصر، أنْ يخلق الأدوات المنهجية والمقاربات الفكرية التي تفرزُ مضمون الرسالة الدينية الإلهية المتعالية عن الزمان، وتُميزُ هذه عن النص / النصوص التي اختلطت باجتماع البشر الذين يتوجّه إليهم الخطاب الإلهي ابتداء. فالمقدس ما تعالى على الاجتماع البشري (الإيمان والأخلاق وعالم الغيب...) وهذه المسائل فحوى الرسالة الإلهية وثابتة على مدى العصور، وهذا يختلف عن التاريخ السياسي والاجتماعي الذي جاء النص يعالجه في زمنه ونزلت فيه آيات كريمة من لدن الخالق عز وجل. وليس بالضرورة أنْ تكون تلك المعالجة، المناسبة في حينها لظروفها السياسية والاجتماعية والثقافية، أبدية لكل العصور. هذا يعني أنّ كون "النص" مقدسا لا يصيّره خارج نطاق التحليل والقراءة، بل إن الإعلاء من فكرة جدلية "الوحي" و"الوعي"، وعدم تعالي غالبية النصوص عن الواقع بل استجابتها العميقة لإحداثياته وحقائقه وشروطه وسياقاته الاجتماعية والثقافية وغيرها، إنما يؤكد في المحصلة كمْ أنّ دائرة المباح واسعة، وكمْ أنّ دائرة الإلزام ضيقة.

لقد فعل التاريخ في العقل المسلم أكثر بدرجات مما فعله النص في الحقيقة. وما تخلّفتْ المنظومة الفقهية الإسلامية إلا حين قلبتْ معادلة "المباح والإلزام"، فتعدتْ على دائرة المباح، حين وسّعتْ "النصوص"، من خلال اختلاط التاريخ بالنص، والتنظير عبر مبدأ "القياس"، الذي أرسى دعائمه الإمام الشافعي. إنّ النص "يغمرُ" الحياة، وهو أكثر اتساعا منها، رغم أنّ التنزيل القرآني في حقيقته الغالبة كان انفعالا عميقا بالواقع، واستجابة لتفاعلاته.

يسيء من يذهب إلى "واحدية" القراءة للنص المقدس إلى النص ذاته، وذلك بجعله يصطدم باستمرار مع الواقع والعصر، عبر خلط التدين بالدين، وتثبيتْ ما هو متغير، والحكم على الاجتماع البشري بعدم التحوّل والتغيّر. لذلك، فإن اقتناعنا بأن لا أحد يحوز الحقيقة كاملة، وأننا في حالة مستمرة للبحث عنها، يستدعي فتح النص على الواقع ومعارف العصر والإبداعات الإنسانية في كل مجال، لأنّ إدراك أنّ المعرفة الدينية جزء من المعارف وليستْ كلها أو سيدتها من شأنه أن يُغني المعرفة الدينية ذاتها ويمنحها ديناميكية التطور غير المنقطع، وهذا الغنى هو الذي يجعل صلاحية الدين لكل زمان ومكان أمرا ذا معنى.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أين نحن من النص (عمر)

    الجمعة 16 تموز / يوليو 2010.
    ألا تتفق معي أن المدنية و التطور البشري, الخارج عن النص, في الغالب يسير نحو الكوارث و اثبت قشله في كثير من المنظومات المدنية الحديثة؟؟ الأزمة الإقتصادية العالمية أقنعت الغرب العلماني و الملحد أن النظام الإقتصادي الإسلامي هو أفضل الموجود. مفاهيم التربية الحديثة أنتجت جيلا فاسدا من الأطفال و المراهقين و مدمني المخدرات و الهوس الجنسي, مما دفع بعض الدول الأجنبية لفتح باب الهجرة للمسلمين لتعويض المعطوب من سكانها.

    و أضيف إلى ذلك نظام الزكاة و التكافل الأسري الإسلامي مقابل الضمان الإجتماعي و الفردية المدنية, نجد فرقا شاسعا لصالح النظام الإسلامي. عدا السيارة و الموبايل و الكمبيوتر, و التي هي مجرد وسائل, أين يكمن التقدم المدني, و أقصد هنا الرؤى و الغايات النبيلة؟
    نعم لفهم أفضل للنص, و الذي فيه تقدمنا و رقينا كما كنا في السابق. إن تخلفا يكمن في تركنا للنص, فنحن الأن غير متمسكين في النص لكننا نعيش في منظومة مدنية علمانية مقلدة للغرب.