عيسى الشعيبي

كبح تقهقر الطبقة الوسطى

تم نشره في الثلاثاء 6 تموز / يوليو 2010. 03:00 صباحاً

من جديد وعلى نحو متفرق، عادت بعض الأقلام إلى الاهتمام بما تعرضت له الطبقة الوسطى وما تزال تتعرض من تآكل تدريجي شبه منظم، بدأ يقضم أول الأمر الشرائح الدنيا منها، ثم أخذ يتمدد إلى شرائح أعلى، إلى أن بات التآكل يحاصر الآن النواة الصلبة لهذه الطبقة التي تشكل عماد المجتمعات وعنصر الاستقرار، ناهيك عن قيادة التطوير والمحافظة على القيم وإنجاب القيادات المهنية والاجتماعية والنخب السياسية والثقافية والاقتصادية.

ولا نود أن نعيد إلى الذاكرة الأهمية المعترف بها للطبقة الوسطى في أي مجتمع، بما في ذلك مجتمعنا الذي تميز بالاستقرار وقطع شوطا مهما على طريق النمو، بفضل اتساع قاعدة هذه الطبقة وانفتاح أبوابها الواسعة أمام فئات اجتماعية وافدة من مختلف المناطق والمنابت وشتى الأصول، إلى الحد الذي بدت فيه كل من طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء لدينا مجرد جناحين ثانويين حول الجسم الرئيسي المكون لهذا المجتمع، أي جسم الطبقة الوسطى.

غير أن ما نود التذكير به ووضعه على أجندة الاهتمامات الرسمية، هو هذا الانحدار المتوالي في مركز هذه الطبقة المهمة بكل المقاييس، وهذا الضمور المتواصل في جسمها، حيث بات خط الفقر يشمل المزيد من الفئات الاجتماعية والشرائح الدنيا، فيما أصبح خط الفقر المدقع يطحن أوساطاً كثيرة في أطراف المدن وفي الريف والبادية، وفوق ذلك على تخوم العاصمة، من دون أن يؤدي ذلك كله إلى قرع جرس إنذار أو إضاءة شعلة حمراء لدى المسؤولين والمشرعين وقادة الرأي العام المنشغلين في معارك صغيرة نسبياً.

حتى أنه يخيل للمراقب أن المحنة التي تتعرض لها الطبقة الوسطى، أو قل عماد المجتمع لدينا، ليست محل اهتمام الحكومة أو الصحافة أو قادة الرأي. وليس أدل على ذلك من تلقي هذه الطبقة لسلسلة متواصلة من الضربات الموجعة، على مدى السنوات القليلة الماضية، من غير أن تبادر جهة معنية بالدعوة، حتى لا نقول العمل، إلى وقف مثل هذه الكارثة التي تطل برأسها على الجميع، أو حتى إلى الإعراب عن التضامن وتقديم مشاعر المواساة لكل الذين طحنتهم الضربات المتلاحقة على مدى العقدين الماضيين.

وهكذا فإن الذين لم يستوعبوا بعد أسباب ظهور نزعات التطرف وانتشار مظاهر الجريمة والعصبيات الاجتماعية، بل حتى حوادث الطرق، ناهيك عن شيوع التدين ولا نقول الدين، وتعمق حدة المواجهات الكلامية في الشارع والصحافة والمنازل والبرلمان والحياة العامة، نقول أن كل الذين لم يضعوا أيديهم على الجذر العميق لمثل هذه الظواهر السلبية المتفاقمة، عليهم أن يلتفتوا الآن إلى المصير المفزع الذي ينتظر هذا المجتمع إذا ما استمر التدهور الراهن في مركز ومكانة الطبقة الوسطى، وتواصل تقهقرها التدريجي من دون أن تتقدم جهة مخولة للقيام بأي شيء يمكن القيام به لوقف مثل هذه الكارثة الاجتماعية المحققة.

وإذ نضم اليوم صوتنا إلى الأصوات القليلة التي بدأت تتحدث عن منحنى التقهقر المطرد في مكانة الطبقة الوسطى، وتحذر من تضاؤل فاعليتها، فنحن لسنا بحاجة إلى ذكر الشواهد أو تعداد المظاهر التي لا تخطئها عين فاحصة، للتدليل على شدة المخاطر المتراكمة على نحو تدريجي، ولا على مدى اتساع نطاق الآثار السلبية المترتبة على هذا الانحدار المتواصل للطبقة الاجتماعية التي تمتلك أغلبية المدخرات الوطنية وتدفع القسط الأكبر من الضرائب، وتتحمل مسؤولية قيادة عملية النمو، وتتلقى في الوقت ذاته كل هذه الضربات الموجعة بقدرية وتسليم تامين.

وقد يكون من الأهمية بمكان أن تبادر الحكومة إلى تفويض جهة ما ذات مصداقية، أو أن تعيّن لجنة كفؤة من القطاعين العام والخاص، لتدارس الوضع الذي آلت إليه الطبقة الوسطى، بعيداً عن أعين الإعلام، بما في ذلك تشخيص الحالة على نحو دقيق، ومن ثم اقتراح آليات عمل ناجعة وبرامج بعيدة المدى، ليس فقط من أجل كبح التدهور الراهن، وإنما أيضا من أجل رد الاعتبار لهذه الطبقة التي يتوقف على صيانتها وتعزيز مقوماتها، استقرار المجتمع ونموه الاقتصادي، وكذلك حفظ الأمن بمفهومة الواسع.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق