عيسى الشعيبي

تسعة شهود عدول

تم نشره في الجمعة 2 تموز / يوليو 2010. 02:00 صباحاً

قبل أن ينقضي زمن المرافعة الضئيل، ويصدر القضاة الحكم بالحتف ويكفهر ما تبقى من وقت، استدرك الفتى بيانه الاستهلالي قائلاً: إن مكة لم تدخل إلى عباءة النبوة في ليلة واحدة، وإن القلاع الحصينة التي لا تسقط تحت وطأة الحصار الطويل قد تؤخذ من الداخل بضربة سيف غادرة.

قيل له أوضح المعنى أكثر، فرد: أن الدماء أشد كثافة من الماء، والذهب يتعالى عن التفاعل مع المعادن الرخيصة، وأن الألماس وحده يقطع الألماس.

كف من تلقاء نفسه عن إدارة هذه الموندراما الإيمائية مع النفس، استبق انطباق سقف السماء على الأرض، وقدم تسعة شهود عدول لدعم مرافعته عن شقائه بوعيه الفطري.

أولهم رفيق درب جاء من ظلال ماض ثقيل، من ركام عالم تهمّش تحت ناظريه. كان صادقاً مع نفسه، مبدئياً أكثر مما ينبغي، فلم يعرف كيف يدوّر الزوايا، ولا كيف يروّض الأمنيات الكبيرة، ولا كيف يعيد ابتكار الحياة.

ثانيهم صديق طفولة عتيق، أتقن مراوغة الصبر وعاديات أيامه المثقلات بخيبات الأمل والانتظار المديد، إلا أنه لم يُحسن مداواة جراح نفسه الغائرات، ترميم ذاكرته المثخنة بالحراج، فراح يستغيث بالقدر ويناجيه التلطف به من جعجعة رحى طاحونة الزمان.

ثالثهم حارس ذكريات كان عند اختمار الوجد في قلبه يفيض عن صبوة نفسه، يهجس بما تبقى لديه من أحلام الفقراء، ثم يدخل إلى فجاج نفسه العصية على الاختراق ويعتصم بها، فيجدها داراً غريبة لا شيء فيها يخصه أو يمّت له.

رابعهم واحد من كبار العشاق الفاشلين، أعياه التحديق في عيني شمس حبيبه، أضناه التستر على خير ما كان يخبئه في قلبه من بقية اخضرار، فأدرك وقد سبقه العذل أن الحب لا يقال فحسب، بل يعاش في رابعة النهار.

خامسهم كاتب اعتاد أن يتخيّر المفردات التي تناسب المقام، تلائم الحداء الرتيب ولا تثير غريزة القطيع، أو أولي البأس الذين يحبون رجاحة العقل وسداد الكلام الرمادي وفطنة الانصياع، فوجد أن نصه الدارج كان خارج النص.

سادسهم نديم ليل أبرم عهداً مع الكأس ألا يطرح أي منهم الآخر في أرضية الحانة أو على بلاط الرصيف، أصابه الكلال فتماهى مع الظروف الموضوعية الصارمة، تخفف من طرح الأسئلة وظل يلزم نفسه بالممكنات.

سابعهم مناضل قاعده العمر وضاءله الحصاد الهزيل كلما التفت وراءه وأمعن النظر في الحطام، فآثر أن يتوارى لسبب غير معلوم، ثم مضى يدافع عن تمثيل نفسه بنفسه والذود عن حوزته الشخصية بسيف الرضا عن الذات.

ثامنهم عابر سبيل ترجل من قاطرة الأحداث وسار على قدميه متثاقلاً إلى اللامكان، ثم خلد مطمئناً إلى أقداره المستباحة، نام ملء جفنيه قانعاً بالإياب سالماً، متصالحاً مع نفسه هادئ البال، ثم أجمَلَ أمنياته الكبيرة بالنسء واستراح.

تاسعهم فتى أدمن الخروج على القواعد الذهبية في إبرام المساومات، تكاسر مع الكليات التي أرقته طويلاً، فأدرك بعد لأي أن غاراته كانت طائشة، مزيجاً من الارتجال والرعونة والمقامرات، فأيقن بعدئذ أن الرهان على ما يحتمل وقوعه كان لا يستحق الرهان.

التعليق