إبراهيم غرايبة

الحياة التي أضعناها

تم نشره في الجمعة 2 تموز / يوليو 2010. 02:00 صباحاً

كنا نبني البيوت بالحجارة والطين، والسقوف تبنى بالقناطر أو العقود الحجرية، ولكن عندما هبطنا من الجبل (الشفا) إلى الوادي (وادي اليابس) لم تكن الحجارة متوافرة كما في الجبل، ووجد الناس صعوبة كبيرة في نقلها وتدبيرها، وفي الوقت نفسه توجد وفرة هائلة في التراب، وثمة جبال شبه كلسية لا تصلح للزراعة، وتصلح بشكل أفضل للبناء، ولكن خبرات الناس كانت تراوح بين البناء الحجري بالقناطر والعقود القائمة على افتراض وفرة الحجارة، أو بيوت الشعر، كان وادي الأردن على امتداده يكاد يخلو من بيوت "المدر" ليس إلا وبر، وعندما ذهب الحاج أبو شقرى عام 1946 من وادي اليابس إلى طبريا مشيا على الأقدام والدواب، وبرفقته زوجته أم أحمد المريضة بالسل لمعالجتها في المستشفى الإيطالي، حيث كانت المراكز الأقرب للناس هي بيسان وطبريا والناصرة، الحاج عبد القادر كان قبل وفاته عام 1940 يتلقى العلاج في الناصرة، لم يشاهد في طريقه كما يقول بيتا واحدا في وادي الأردن، أظن أن القافلة الصغيرة تحركت من وادي اليابس إلى جسر الشيخ حسين، لتعبر من هناك إلى طبريا، كيف تغيب البيوت والحضارة في منطقة شهدت أقدم فعل حضاري معروف للناس، مثل النار والأدوات والأثاث؟

تعلم الناس بناء الطوب من الطين، علمه لهم مبارك القادم من الحجاز، كانت فكرة بسيطة جدا، مجرد وضع الخلطة الطينية في قالب خشبي، ثم تركها تجف، الخلطة نفسها كان الناس يستطيعون إعدادها بكفاءة وجودة عالية، باختيار أنواع ملائمة من التراب، وخلطها بالتبن، ولكن الإضافة الجديدة غيرت وجه الوادي، تحول من مجموعات من بيوت الشعر إلى بيوت طينية واسعة ومتعددة الأغراض، وبنيت السقوف من طبقات من الخشب (خشب الحور بشكل خاص) والقصب وأغصان الدفلى القادرة على امتصاص الماء بكميات كبيرة جدا، ثم الطين للسقوف والجدران، وأخيرا طلاؤها بالشيد الأبيض و"النيلة" الزرقاء، كانت البيوت عددا من الغرف والأحواش المتعددة الأغراض، مصفوفة بجانب بعضها أو متباعدة عن بعضها حسب طبيعة المكان، والقدرات التخيلية والتصميمية، هي أقرب في تصميمها وأغراضها إلى بيوت الشعر ولكنها مبنية من الطين، كانت هناك مشكلتان، التصميم، وندرة الخشب.

وجاء أبو اسماعيل من بيسان عام 1948، وبنى لنفسه بيتا مثل بيته في بيسان، بيتا مدنيا واسعا وجميلا، وسقفه بطريقة مدهشة! نسق الطوب متقاربا ومتماسكا على شكل دائرة ترتفع وتتقارب من بعضها حتى تلتقي تماما مشكلة سقفا على هيئة صومعة جميلة، من غير حاجة إلى خشب أو حتى طوبار، وبنى أيضا مدرسة خاصة لتدريس الأطفال يقوم عليها أبناؤه الشباب، وبنى أبو إسماعيل بيتا للحاج عقاب، من غير قباب، مايزال البيت قائما حتى اليوم، كان بيتا جميلا مختلفا، ومايزال.

لماذا لم نواصل بناء البيوت بالطين مستفيدين من الخبرات الهندسية والجمالية التي تعلمناها فيما بعد؟ بالطبع ليس المطلوب هو التمسك الطوباوي والرومانسي أو الأيديولوجي بأنماط سابقة للإنتاج والعمل والحياة، ولكن كيف نحافظ على مواردنا وأساليبنا التقليدية والمتاحة والممكنة في العمل والحياة ونجعلها ملائمة للتطلعات الجديدة والمتجددة للحياة من غير أن ندمر ما لدينا؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »>>> (هيثم الشيشاني)

    الجمعة 2 تموز / يوليو 2010.
    ... من غير أن ندمر ما لدينا
  • »الطببعة المتغيرية اصبحت تتطلب أن نحصن بيوتا جيدا (د. عبدالله عقروق فلوريدا)

    الجمعة 2 تموز / يوليو 2010.
    الطبيعة تغيرت في الأربعين عاما الأخيرة .فألأردن التي كان هطول الثلج فيها يعتبر من الندرة النادرة .فأن هطل الثلج في الأردن كل 10 سنين ليوم واحد كانت تغلق كل مرافق الحياة ، خاصة المدارس .فكان السكان يتركون بيوتهم ليلعبون بالثلج ..اليوم يتساقط النلج في الأردن أكثر من نيوريورك لا من حيث الكمية بل بعدد المرات .أن تغير المناخ عالميا قد أثر على منطقتنا وأصبح عالمنا العربي يسمع كثيرا بالعواصف الكثيرة ،والأعاصير والزلازل والسيول تحيط بمناطقنا .أن برودة الطقس في ايام الشتاء قد جعل من الأردن كأنها أحدى مدن القطب الشمالي احيانا ..فكل هذه المواد التي تكلمت عنها اصبحت لا تنفع في هذا العصر التي اصبحت الطبيعبة والمناخ عاملان هامان
  • »موضوع جميل (ياسر ابو سنينة)

    الجمعة 2 تموز / يوليو 2010.
    هناك مهندس كبير في مصر كان يدعو للعودة لاستخدام الطين في البناء ونبذ الإسمنت والطوب المصنوع من الإسمنت.

    وهو لم يكتف بذلك بل قام بتشييد قرية كاملة وفق نسق معماري حديث وكانت من أجمل القرى وأجمل من كل المبانى الاسمنتية والحجرية التي نعرفها

    للأسف نسيت اسم هذا المهندس الذي توفي والذي أكن له احترام كبير وأتمنى أن يكتب أي كان تحقيق صحفي عن تجرتبه ورسالته.
  • »بصراحة (أحمد العليمي)

    الجمعة 2 تموز / يوليو 2010.
    بصراحة لم أفهم ما هو المطلوب من المقال هل تريد ان نرجع استخدام الطين في البيوت لا أعتقد بأنها فكرة مناسبة الاولى بنا ان ننمي قدرات و ابداعات مهندسينا لتشييد أبنية على درجة عالية من الرقي و في نفس الوقت تحمل طابعا تقليديا و الشكر