صدمة سياسية بأطوار الجزائر الرياضية

تم نشره في الأحد 27 حزيران / يونيو 2010. 02:00 صباحاً

لو أن المسألة متعلقة فقط بالأداء الجزائري المخيّب لآمال ملايين العرب في مونديال جنوب إفريقيا، لما توقفنا عند ذلك أبداً. فنحن من معشر قوم يحبون لعبة كرة القدم ولا يفقهون في الوقت ذاته تقييم المباريات، ولا يعرفون كثيراً تشخيص الجوانب الفنية للعبة، بل وحتى لا يدمنون متابعة المنافسات الكروية الوطنية إلا قليلاً وفي بعض المناسبات الاستثنائية.

ذلك أن الصدمة التي أحرقت قلوب الكثيرين، وأدمعت عيون الذين عقدوا الرهان على الكرة الجزائرية داخل بلاد المليون ونصف المليون شهيد وفي خارجها، لعلهم يحظون بلحظة انتصار من نوع ما، لم تأت فحسب من النتائج الهزيلة للفريق الذي كان يواصل رفع سقف التوقعات ويعد بالمفاجآت السارة، وإنما من أطوار السلوك الكروي الجزائري في مجموعه العام طوال الأشهر القليلة الماضية، ونعني به السلوك غير الرياضي أبداً.

إذ مع تواضع حصيلة هذا الفريق الذي لم يحرز هدفاً واحداً في المونديال، ولم يكسب مباراة واحدة، بل وتم طرد واحد من لاعبيه في كل واحدة من المباريات الثلاث، تزايدت حدة الصدمة لدى أغلب الناس الذين وجدوا أنفسهم مرغمين على عقد المقارنات المدهشة، بين ما بدا عليه "فريق محاربي الصحراء" عقب مبارياتهم السابقة مع "فريق الفراعنة" من رغبة في الثأر ورد الاعتبار الوطني، وبين ما أظهره هؤلاء من سكينة وتسليم بالمقادير العمياء في أعقاب لقاءيهما الأخيرين مع الإنجليز والأميركيين.

وبالطبع، فليست هذه دعوة تحريضية لمواصلة ذلك السلوك المستهجن الذي بدا عليه عشاق الكرة الجزائرية في الخرطوم أو القاهرة أو باريس والجزائر وغيرها، غداة التنافس مع فريق كرة قدم عربي شقيق عشية هذا المونديال، وإنما هي مجرد محاولة لكشف ذلك الوجه البشع الذي تميط عنه اللثام بعض المباريات العربية، وكثير من اللقاءات الكروية المحلية هنا أو هناك، ونعني به التعصب والإقليمية وروح الكراهية غير المفهومة.

فغداة خسارة الجزائر أمام الولايات المتحدة، وفشلها في كسب المباراة مع انجلترا، لم تنفلت الغرائز من عقالها ضد الأميركيين أو البريطانيين، ولم يكسر لوح زجاج لأي من مصالح هاتين الدولتين الغربيتين الكبيرتين، أو جرى اعتداء لا مبرر له ضد أي من المواطنين الأنجلوسكسون، وذلك على نحو ما حدث بالصوت والصورة مع المواطنين المصريين في أوروبا والسودان، ومع رجال الأعمال والعمال والشركات المصرية في الجزائر ذاتها.

قد يقول قائل إن الوضع مختلف، وإن أحداً لم يعتد على حافلة تقل فريق الجزائر كما حدث في القاهرة من دون وجه حق. لكن السؤال هو: هل كانت ردود الأفعال الجزائرية الانتقامية توازي الفعلة الاستفزازية المدانة على طريق مطار القاهرة الدولي؟ وهل يمكن لتلك الحادثة المستنكرة أن تضع بلدين عربيين بينهما كل تلك الأواصر التاريخية والكفاحية والقومية، على شفير حرب لم تقع لحسن الحظ لعدم وجود حدود برية مشتركة بينهما؟ وهل كان الهتاف ضد جمال عبد الناصر بكل ما له من إسهامات عظيمة في نصرة ثورة الجزائر، أمراً يشفي غليلاً أو يجبر خاطراً كسرته مباراة واحدة أو مباراتان.

ما نود قوله على وجه التحديد، أن كثيراً من المباريات الكروية العربية، ناهيك عن المنافسات في الدوري، هنا في الأردن أو هناك في بعض الأقطار المجاورة تستظهر، بهتافات وأفعال مشجعيها العصبوية التحقيرية، وجهاً بغيضاً ونفساً كريهاً يحملنا على إبداء مشاعر الخجل منه، ويدعونا بإلحاح على الدعوة إلى معالجة أسبابه الكامنة تحت قشرة رقيقة من المجاملات الكاذبة، وهو وجه لا أثر له عندما تجرى المنافسات ذاتها، بمواكبة المشجعين ذاتهم، مع فرق أجنبية في الداخل أو الخارج، تماماً على نحو ما جرت عليه مباراتا الجزائر مع الأميركيين والإنجليز مؤخراً.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كرة القدم بين الرياضة والسياسة (غادة شحادة)

    الأحد 27 حزيران / يونيو 2010.
    قد يكون جميع متابعي كرة القدم قد لاحظوا اختلاف مستويات فرقنا العربية في لمح البصر امام المنتخبات العالمية فما وجدناه من الجزائر من تحفز واستعداد ومهارة فنية منقطعة النظير , امام المنتخب المصري نرى المستوى المتدني والاداء المهزوز والثقة المتلاشية وكانك تشاهد بطولة حواري .يجعلني هذا الامر عم تفسير هذا الانقلاب الكروي الحاد فمالذي حدث ؟؟؟
    هل نحن كدول عربية لا نظهر براعتنا الا على من هم من جلدتنا ؟ اما المنتخبت الاوروبية نخاف منها ويتراجع مستوى ادءنا معها؟؟
    هل نشعر بعدم الثقة من مقارعة هذه الدول ولو حتى على المستطيل الاخضر؟؟
    لا ادري اظن انني اعتقد ان كل شئ مرتبط بالسياسة
  • »المكبوت العربي وساحة كرة القدم (عماد)

    الأحد 27 حزيران / يونيو 2010.
    بمناسبة الحديث عن كرة القدم وجنون الجمهور العربي ، احب ان ارجع دائما(لذاكرة للنسيان ) لبعض ما كتبه درويش في وصف فترة حصار بيروت عام 82 حيث تزامن ذلك مع المونديال وقتها :
    ( ولكني لا اغضب كما يغضب غيري من المظاهرات العربية الصاخبة التي خرجت تحتج على حكم منحاز في مباريات كرة القدم ، لا لان كرة القدم تلهب الحماسة اكثر من هذا الصمود الطويل في بيروت ، بل لان المكبوت العربي ، المتعدد المصادر ، قد عثر على نقطة المتاح في الانفجار العربي ، ووجد فرصة التعبير الممكن من غضب مزمن في حرب لا تهدد الوطن ماديا ....)
    (ولاني احب كرة القدم ، لم اغضب كما غضب غيري من المفارقة ، لا مظاهرة واحدة يثيرها حصار بيروت ، بينما تثير كرة القدم هذه المظاهرات اثناء حصار بيروت ،لم لا ؟؟ ان كرة القدم هي ساحة التعبير التي يوفرها تواطؤ الحاكم والمحكوم في زنزانة الديمقراطية العربية المهددة بخنق سجنائها وسجانيها معا ، هي فسحة تنفس تتيح للوطن المفتت ان يلتئم حول مشترك ما ، حول اجماع ما ، حول شيئ ما ، تضبط فيه حدود الاطراف وشروط العلاقة ، مهما تسربت منها ايماءات ذكية ، ومهما اسقط المشاهد على اللعبة ما فيه من المعاني المضغوطة ، ، وطن ، او شكل من تجليات روح الوطن يدافع عن كرامته او تفوقه امام الاخر ، فلا يخسر توزيع القوى الداخلي شيئا من تماسكه الظاهري . المتفرجون يستولون على ادوارهم الغائبة في السياسة ....)