المنسف: دلالات اجتماعية وأهداف سياسية

تم نشره في الأربعاء 23 حزيران / يونيو 2010. 02:00 صباحاً

ميّز العلماء بين الغذاء والطعام، فالغذاء يشمل المواد الأساسية المجردة/ أو الصماء التي من شأنها أن تُبقي الإنسان الفرد حيا وبصيغة الحد الادنى من مقومات العيش، لذا يُعبر عادة عن أي نقص في تناول تلك المواد بما يعُرف "بسوء التغذية".

أما الطعام فيشمل تناول المواد الأساسية ذات الجودة الغذائية العالية، وما يصاحب تناولها من معانٍ اجتماعية نبيلة ومصاحبة، مثل: اللمة وتناول الطعام الجماعي، وتبادل الأحاديث وإظهار معاني الإيثار وإكرام الآخرين من خلال ابتداع المناسبات الاجتماعية والسياسية، كهذه الأيام التي بدأت فيها الاستعدادات المتنامية للانتخابات في مجتمعنا. ولعل ما يتربع على قمة تلك المعاني أردنيا هو المنسف (لغة من نسف الشيء أي جعل سطحه مستويا) بجميده الكركي المرغوب عادة .

في دراسة علمية ومحكّمة للكاتب حول المنسف الأردني ومعانيه، وجدت الدراسة أنّ 91 % من عينة الدراسة تقريبا "لا يشعرون بأن المعزِب/ المُستضيِف لهم قد أكرمهم فعلا، إذا لم يُقدم لهم المنسف، حتى وإن قَدم لهم طعاما أغلى سعرا أو كلفة من المنسف، ويردون هذا الرأي إلى المعاني والمحددات السلوكية المصاحبة لتناوله جماعيا".

ذلك أنّ المنسف في الأعراف الأردنية تجاوز في معانيه وقدرته التأثيرية اجتماعيا وسياسيا حدوده التقليدية كغذاء أو حتى كطعام، نحو امتلاكه القدرة الفائقة على حلحلة القضايا والتنافسات الصعبة وطنيا، وصولا إلى إنضاج المواقف المشتركة ضمنا بين المتناولين له، وعلى أرضية العِشرة السياسية القائمة على قدسية الخبز والملح واللحم المفترضة.

أصبح المنسف، وفكرة الاستدارة حوله، يُمثل ملمحا تأثيريا واضحا من ملامح هويتنا السلوكية الملزمة لنا في الأفراح والأتراح، وما بينهما من قضايا بحاجة لإصلاح يُتوافق عليها حول المنسف، كالمائدة المستديرة للمفاوضات عموما.

مغزى الجلوس حول المنسف يعني، ابتداءً، الإقرار الضمني"بطبقية المنسف"، تماما مثل طبقية المُرشح والناخب عادة، فالمناسف ومعانيها ليست واحدة على الإطلاق خصوصا السياسي منها، فثمة منسف يُقدم لعلية القوم عادة، ويُعبر عنه في الموروث الشفاهي بالقول "فلان/ الضيف، ذبيحته على المفصِل"، أي يُكِتفى بتقطيعها لبضعة قطع فقط، للدلالة على كِبر مكانته ومعاني حضوره، ويقال أيضا فلان ضيف لحم، أي لا يجوز أن يُقدم له منسف من الدجاج مثلا، لأن الذاكرة الجمعية الأردنية لا تُولِي اهتماما وتقديرا كبيرين لهذا النوع من المناسف، وهكذا..

بالمناسبة، في العُرف السياسي العالمي المائدة المستديرة، تحمل الكثير من الإيحاء الواهم بأن الجالسين حولها متساوون في الحقوق والواجبات، وفي مناقلة الحديث لغايات التصوير والتصدير الإعلامي معا، في حين واقع الأمر يقول، ليس بالضرورة أن يتساوى جميع الجالسين حول هذه المائدة في قطف ثمار ونتائج المفاوضات لاحقا. إذ يبدو الأمر مثل موضوع العرس، فالحاضرون كُثر والمستفيدان اثنان فقط ربما.

الالتفاف حول الموائد المستديرة "المنسف والطاولة"، يحمل أيضا معنى التذكير باستمرار حضور الأطراف المشاركة كشهود في الحد الأدنى، وبغض النظر عن القوة الفعلية ميدانيا لكل طرف منهم، تماما مثل حضور المواطن العادي الأضعف والمسؤول الأقوى، الواجب تميزه عن الآخرين حول منِسف المعزب كما هو الاعتقاد الجمعي السائد أردنيا. فهل يُمكن القول إن "المناسف القصدية والانتخابية" كُعرف أردني تعني ضمنا كسب التأييد الأكبر من الآخرين عبر دبلوماسية "اطعم السن.."، تزامنا مع إطلاق الضيوف والمعازيب معا الرسائل لما هو أبعد من استدارة هذه الموائد/ المناسف؟

أذكِّر هنا بأن كلا من الكلام والطعام يمران عبر معبِر حلقي واحد، لكن برسائل ونوايا سياسية متعددة المراتب والأهداف قبيل الانتخابات وبعيد الاصطفافات اللافتة التي بدأنا نشهدها حالياً.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يا صباح ياعليم (سيف آل خطاب)

    الأربعاء 23 حزيران / يونيو 2010.
    شو هالخبرية اللي بتفتح المنافس وليس المناسف على الصبح ؟؟
    اي والله الواحد صار يحلم بالمنسف حلم مع غلاء الاسعار
    والامكانيات المادية ما بتسمح انو نجيب لحمة بلدي ولا جميد كركي
    يالله .. بنمشيها بالدجاج وبالجميد السوري وكان الله بالسر عليم ولحد ما الله يفرجها
  • »غالي (ريناد)

    الأربعاء 23 حزيران / يونيو 2010.
    والله هاد الحكي كان زمان هلا الواحد صار يتمنى يذوء المنسف الاصلي من هالغلا الي بالبلد هو حدا أدر يشتري لحمة بلدية ولا جميد كركي
  • »يذكرنا بالهوية الاردنيه (شيرين)

    الأربعاء 23 حزيران / يونيو 2010.
    لعل ذكرنا للمنسف يذكرنا بهوية اردنية
    فعند السؤال عن أهم أكلة أردنية يتراود المنسف فورا لاذهاننا...بكل معانيها الضيافية والاكرامية السائدة منذ برهة من زمن استمدت من اجدادنا ووصلت الينا بكل ما تحمله من مشاركات حيه حملتها أكله من أهم الأكلات السائدة على الاطلاق
    فرب منسف أردني يحمل كل معاني المشاركة والسعادة والسياسة وغيرها الكثير