مخاطبة الوالدين وليس الولد الفاسد

تم نشره في الأحد 20 حزيران / يونيو 2010. 03:00 صباحاً

يدرك الولد المدلل سلفاً أن لديه دالة كبيرة على أبويه المتسامحين بالفطرة عن كل ما قد يقارفه من أخطاء، ويعي بحكم سوابق كثيرة أنه يمتلك رصيداً من الإعجاب الأبوي يتيح له السحب على المكشوف، إذا ما استنزفت حسابه حماقة تجاوز فيها كل الحدود، لذلك فقد كان هذا الولد الذي أفسده الدلال مطمئناً إلى استمرار غض البصر عن ارتكاباته، واثقاً من تمتعه بالحصانة إزاء كل عقاب أو مساءلة، حتى لا نقول إنه كان يحصل على الإثابة.

هكذا كان حال إسرائيل لحظة إقدامها على فعلة القرصنة في أعالي البحار ضد سفن أسطول الحرية، وهكذا أيضاً بدت عند تشكيل لجنة تقصي الحقائق مع نفسها لاحتواء موجة اللوم النادرة التي هبت عليها. وهكذا أيضاً وأيضاً كان حال إسرائيل المتباهية بدلالها وهي تقرر بذاتها لذاتها تعديل بنود قائمة الطعام المقدمة لفقراء قطاع غزة، كي تنال على الفور تصفيق آبائها المعجبين بمسلكياتها الصادمة لكل ذي لب سوي.

بكلام آخر، نحن أمام حالة لا نظير لها على مسرح العلاقات الدولية، تمنح فيها القوى الغربية الكبرى صك براءة وغفران لدولة تعتدي وتحتل وتصادر وتتنكر وتستقوي على القانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة وحقوق الإنسان الأساسية، وتظل رغم ذلك كله دولة فوق القانون، متمتعة بالحصانة السياسية، ممتنعة عن الحضور أمام هيئة العدالة الدولية، لا تستمع إلا إلى صوتها ولا ترى في المرآة غير صورتها.

وعليه، تبدو المشكلة مع الغرب أكثر من كونها مع إسرائيل، وأن مكمن العلة قابع هناك وراء المحيط وليس هنا وراء خطوط الصراع، الأمر الذي ينبغي معه شد الأنظار إلى مكمن الداء لا إلى عوارضه فقط، وصرف الاهتمام من ثم إلى التعامل مع الأصل وليس مع الصورة فحسب، أي تركيز الجهود وانتخاب الأدوات وصياغة الخطاب وتوجيه كل الطاقات نحو المصدر الذي جعل إسرائيل دولة مارقة ووضعها فوق كل مساءلة ممكنة.

وليس معنى ذلك أننا مطالبون بمعاداة الغرب وشن مزيد من حملات الكراهية ضده، ولا أننا مدعوون إلى العمل على ضرب مصالحه، أو حتى مناهضة قيمه وثقافته ومثله العليا. فلا نحن قادرون على مثل هذه العداوة أساساً، ولا فائدة تعود علينا باستعدائه أكثر فأكثر، ناهيك عن عدمية التعريض بقيمه الرفيعة في ميادين الحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، وكل تلك المبادئ التي راكمت لديه مزيداً من عوامل القوة.

نحن على وجه اليقين مطالبون بإعادة قراءة هذا الغرب وفهم دوافعه وأسباب انحيازه، بمخاطبته بلغة المصالح التي يفهمها جيداً، بالولوج إلى قلبه من أبواب منظومة القيم الإيجابية التي يعتنقها، باستخدام الأدوات الناجعة في الوصول إلى مفاتيح عقله، بإعادة مقاربة مضمون العلاقات المتشعبة معه، وفق منطق غير تصادمي ما أمكن ذلك، ومنهج توفيقي يرتكز على المشتركات القيمية والمفاهيمية والمصلحية، أكثر من انشغاله بنقاط الاشتباك الموضعية والتباينات الجزئية.

غير أن الاعتقاد بصوابية هذا الطرح الهادف أساساً إلى مزاحمة إسرائيل في ملعبها الرئيس، وحرمانها من اللعب وحيدة من دون منازع، لا يلغي حقيقة أن الحبل السري القائم بين الدولة العبرية ومرضعيها في الغرب ضارب في الجذور الحضارية وسلسلة المفاهيم ومصفوفة القيم المشتركة، بما في ذلك الجذر الديني الثقافي عميق الغور، الأمر الذي يجعل من إعادة المقاربة المطروحة هذه عملية طويلة ومعقدة ومحفوفة بالتحديات أكثر من الفرص الضئيلة المتاحة.

وليس من شك أن الدعوة إلى توجيه الجهود وتوظيف الطاقات الكامنة لمعالجة عقدة العلاقات الغربية مع إسرائيل، دعوة صائبة من حيث المبدأ وتستحق إمعان النظر، إلا أن طرحها في هذه الآونة التي تضطرم فيها العواطف، وتتأجج معها مشاعر الحس بالغبن والاحتقان والخذلان، وتنحو فيها كثير من الرؤى منحى التشدد والمغالاة، قد لا يكون في زمانه الملائم، وقد يقع على أذن صماء وعيون يتطاير منها الشرر، وأذهان تعتقد أن هزيمة إسرائيل باتت قاب قوسين أو ثلاثة على أكثر تقدير.

issa.alshuibi@alghad.jo 

التعليق