عيسى الشعيبي

الأولوية الأولى على سلم الأفضليات

تم نشره في الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010. 03:00 صباحاً

لعل من بين الظواهر القليلة المشرقة، التي يمكن تسقّطها بصعوبة بالغة في عتمة هذا الليل العربي الطويل، أن العقل العربي الذي بدا وقد طحنته الهزائم المتكررة، وعطلت جدله الشعارات المضللة، وبددت جمراته المتقدة عوارض الوفرة والفورة، قد حسم مؤخراً سلسلة طويلة من أولوياته الملحة، لصالح حلقة الحريات الديمقراطية على ما عداها من حلقات هذه السلسلة الممتدة ما بين تخوم متطلبات المواجهة مع العدو الخارجي إلى مشارف شروط تحقيق التقدم الاقتصادي الاجتماعي، وما بينهما من حلقات عديدة تمثل كل منها غاية من غايات الوجود المصيري ذاته.

وإنه لمن حسن الطالع أنك إذا ما التقيت واحداً من الأدباء أو المفكرين والفنانين أو غيرهم من المثقفين العرب، المنخرطين مع معمعان تقليب الواقع العربي وجس أورامه المزمنة، فإنك تجد كل هؤلاء يجمعون، من حدود النفط إلى حدود الماء، على أن الحريات هذه هي الشرط الأول اللازم للنهوض من كبوة العرب المعاصرة، وأنه بدون تحقيق هذا الشرط المنجز لدى غالبية شعوب أربع جهات الكرة الأرضية، فإنه سوف يظل محكوماً على هذه الأمة بالتراجع والاندحار التدريجي إلى حد الأفول.

إذ ليس من قبيل المصادفة أبداً، أن يوحد كل المشتغلين بمهنة الكلمة صوتهم، وأن يرص المفكرون صفوفهم كافة، وأن يجمع دعاة الحداثة شتاتهم، وراء مثل هذا المطلب الذي بقدر ما تراجع الإلحاح على تحقيقه طوال فترة ما بعد الاستقلال تراجعت بالدرجة ذاتها شروط المجابهة مع العدو الخارجي، وكذلك مقتضيات تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.

بكلام آخر، فإنه لا خلاف بين كل هؤلاء على أن تراجع وضع الحريات في العالم العربي على نحو لم يسجل لدى كثير من شعوب العالم الثالث، قد رافقه تراجع مماثل ليس فقط في صيغة العمل الرسمية العربية العاجزة عن استعادة تضامنها الكلاسيكي، وليس أيضاً في معطيات إدارة الصراع مع إسرائيل، حيث باتت الأرض والفضاء العربي أكثر استباحة، وإنما كذلك في مختلف مشاريع العمل المشترك في الميادين الاقتصادية والاجتماعية ومعها سائر مناحي الحياة اليومية العربية.

على أن أهمية ما يمكن أن نسميه صحوة متأخرة نسبياً، أنها تأتي الآن مستندة إلى خبرات ذاتية غنية، يتم استيعابها بعمق لا نظير له في سائر أرجاء الأرض العربية، بأنه قد ولى إلى غير رجعة زمن تحقيق الأماني الكبيرة دفعة واحدة، ومطاردة الأحلام القومية الكبرى بقفزة عريضة ليس إلا، وأنه عوضاً عن ذلك كله، بل وفي مواجهته المباشرة، لا بد من التمسك بالحريات الأساسية للفرد العربي، التي تعد المدخل الوحيد لتحقيق التطلعات الذاتية، بل والمفتاح الكبير لإنجاز الغايات الوطنية.

وإذا كانت ظروف المواجهة مع الاستعمار القديم، ومعطياتها الاجتماعية في ذلك الوقت المبكر، قد غيبت الاهتمام بمطلب تحقيق الحريات الديمقراطية، وجعلته أقرب ما يكون إلى حالة من الترف الذهني المجرد، فقد جاءت دواعي التصدي للمشروع الصهيوني، بداية، ومتطلبات الحشد للرد على التوسع والاحتلال فيما بعد، لتغيّب مجدداً كل صوت يمكن له أن يعلو على صوت المجابهة التي تكررت بعدئذ، بذات نهايتها التقليدية المفزعة، ليكتشف الإنسان العربي أنه قد خسر معاً كلاً من عزته القومية والشيء الكثير من حرياته الأساسية.

أما الآن، وبعد أن تجلت مظاهر العجز العربي ملء عين الشمس، وانداح معه هيلمان الانقلابيين والإرهابيين والديماغوجيين، وأخرجت المغرفة آخر ما في قيعان القدور، لم يعد بد مما ليس منه بد، حيث لا سبيل إلى النهوض من الكبوة المديدة، وتحقيق التقدم المنشود وتعزيز الصمود، وبالتالي تحسين القدرة على منازلة الأعداء وفق متطلبات المواجهة متعددة الأشكال، إلا بتعزيز الإجماع على جوهر سلم الأفضليات الوطنية، وإعادة ترتيب سلسلة الأولويات الطويلة لصالح حلقة الحريات الديمقراطية.

التعليق