عيسى الشعيبي

الرسائل الخفية لأسطول الحرية

تم نشره في الأحد 13 حزيران / يونيو 2010. 02:00 صباحاً

لا يختلف اثنان على حقيقة أن بواخر كسر الحصار، التي أحدثت هذا الفارق النوعي في المواجهة مع إسرائيل، لم يكن بينها فرقاطة أو مدمرة أو كاسحة ألغام، أي أنها لم تكن جزءاً من أسطول حربي، ولا كان ركابها من المارينز أو الضفادع البشرية. فكل ما في الأمر أنها مراكب مدنية، تقل ناشطي سلام وحقوق إنسان وأصحاب ضمائر من ديمقراطيين اجتماعيين وليبراليين ويساريين وإسلاميين مسلحين بألعاب أطفال وطرود غذائية.

فقد أتت هذه السفن غير الحربية إلى شواطئ غزة تحت راية سلمية، ومخرت عباب البحر بروح عدل وتضامن وكرامة إنسانية، الأمر الذي ضخ في محركاتها قوة دفع أخلاقية هائلة، ومنح أطقمها حصانة معنوية، وأضفى على ركابها متعددي الأديان والأعراق والجنسيات مسحة من النبل والإيثار ونكران الذات، ما جعل استخدام القوة ضدهم، وقتل بعضهم، جريمة منكرة تستوجب المساءلة الدولية.

ذلك أن منظمي قافلة الحرية، وكل ما سبقها من قوافل برية وبحرية، أوروبيون أو من العرب الأوروبيين الذين استلهموا هذه الفكرة النضالية السلمية الجوهر من معين ثقافة تقيم وزناً راجحاً لحياة الإنسان وكرامته، ونهلوا دروسها من تراث تجربة حضارية باذخة في معمعان النضال المدني ضد الظلم والتنكر والافتئات، أي من خلفية فكرية غنية بالتجارب الناجحة في ميادين الكفاح المطلبي الحقوقي لكسب المعارك الصغيرة، ومراكمة الإنجازات الاجتماعية والسياسية وإحداث التحولات النوعية.

وليس من شك في أن النشطاء الفلسطينيين الذين شكلوا النواة الصلبة لهذا التجمع التضامني الأممي، قد استلهموا كذلك بعضاً من عظات تجربة الانتفاضة الأولى، التي اعتمدت منهج الكفاح المدني والمقاومة الشعبية اللاعنفية، وحققت في حينه سلسلة من المكاسب التأسيسية المهمة، الأمر الذي جعل من حملة القوافل هذه إضافة نوعية ممتازة لذلك الإبداع النضالي الذي غيّر عميقاً في قواعد اللعبة القديمة.

وعليه، فإنه يمكن النظر إلى قوافل التضامن المتتابعة، على أنها أداة كفاحية جديدة تتلاءم ومقتضيات المرحلة الراهنة، وأن ساحتها الرحيبة اتسعت لانخراط مقاومين جدد، من نشطاء السلام ودعاة حقوق الإنسان ووسائل الإعلام، وكل من في وسعهم الإسهام في المعركة الجارية ضد آخر احتلال على وجه الأرض، بوسائل نضالية مجربة، تعول على الضمير الإنساني، وتراهن على قوة الرأي العام، وتبني على قوة المنطق في مواجهة منطق القوة.

كما يمكن النظر إلى تتابع هذه القوافل أيضاً، على أنها بمثابة رد اعتبار لنهج السلام والواقعية والاعتدال، وخيار المفاوضات والدبلوماسية والحوار، الكامن في قلب فكرة المواجهة غير المتكافئة في أعالي البحار، المستمد من فلسفة اللاعنف، وقوة الضعف والمظلومية، ومن مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، وكل تلك القيم والمثل التي ترفرف عالياً في سماء عالم يزداد رهافة وتماثلاً وإصغاء لرواية شعب يطالب بحقه في الحرية والاستقلال.

ولعل الأخبار المتواترة عن عزم إيران، وهي بلد الراديكالية ومحور ارتكاز معسكر الممانعة والمواجهة، إرسال باخرتين محملتين بالطرود الغذائية، خير شاهد على اتساع الأرضية التي بلغتها فكرة المجابهة اللاعنفية، واشتداد مضاء مثل هذه الأداة الكفاحية الممهورة بخاتم "صنع في معمل الاعتدال"، وذلك حتى لا نقول إن انضمام بلد أحمدي نجاد الداعي إلى إزالة إسرائيل من الخريطة، إلى مثل هذه التجربة، هو الدليل العياني الملموس على ذواء نهج التطرف وإفلاس أربابه، خاصة بعد أن رفضت حماس بحق عرض إيران إرسال قافلة محروسة بزوارق الحرس الثوري.

وفي المقابل، فإن بلداً مثل الأردن، وهو قوة اعتدال في محيطه، سيّر في السنوات الثلاث الماضية نحو 330 قافلة تضامنية إلى قطاع غزة، من دون أن تقوم الهيئة الخيرية الهاشمية حتى بعقد مؤتمر صحافي استعراضي، أو إرسال بعثة إعلامية مرافقة لعشرات الشاحنات في كل مرة، بل قدم الأردن خدماته إلى المحاصرين في غزة بتواضع جم، وصمت واحترام وسخاء يفوق في أهميته ألف مرة ومرة كل ذلك الكلام الكبير الصادر عن أنقرة وطهران معاً.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إلى الكاتب (أردنية)

    الأحد 13 حزيران / يونيو 2010.
    الهدف من إرسال السفن إلى غزة سيدي ليس توصيل المساعدات وإنما كسر الحصار. ظننت أنك تعرف ذلك!
  • »!!!! (مهموم)

    الأحد 13 حزيران / يونيو 2010.
    كل التقدير لما تقوم به الهيئة الخيرية الهاشمية من مجهود لتخفيف معاناة الاخوة المرابطين في غزة. فهذا واجب علينا كأردنيين وكعرب.

    الكاتب استعرض كلاما جميلا على طول المقال ثم وفي آخر ثلاث كلمات نفث ما يريد قوله "أنقرة".

    وهنا اسأله : لو كان الواقع العربي افضل مما هو عليه الآن "الحضيض" هل كان لتركيا ان تتحرك ؟!!!

    لا داعي لأن نغطي عوراتنا بإتهام نوايا الآخرين. المطلوب شيء من الواقعية في النظر لأنفسنا.

    قد لا يعلم الكاتب اننا "كعرب" لو قدمنا لإخواننا المال والسلاح والدعم السياسي نكون في تلك الحالة لا نزال في خانة "مقصرين"!!!
  • »holy humanitarian acts (mohammad abdo)

    الأحد 13 حزيران / يونيو 2010.
    فإن بلداً مثل الأردن، وهو قوة اعتدال في محيطه، سيّر في السنوات الثلاث الماضية نحو 330 قافلة تضامنية إلى قطاع غزة، من دون أن تقوم الهيئة الخيرية الهاشمية حتى بعقد مؤتمر صحافي استعراضي، أو إرسال بعثة إعلامية مرافقة لعشرات الشاحنات في كل مرة، بل قدم الأردن خدماته إلى المحاصرين في غزة بتواضع جم، وصمت واحترام / mohammad abdo
  • »سرقه على المكشوف (امجد ابوعوض)

    الأحد 13 حزيران / يونيو 2010.
    معمل الاعتدال لا علاقه له بأسطول الحريه سيدي عيسى الشعيبي , محمود عباس وصف السفن التي تريد الوصول الى غزه بأنها (مسخره) , معمل الاعتدال لا يرى في الحصار الاسرائيلي للقطاع بأنه اعتداء على الفلسطينيين وقضيتهم , بل هو يراه نتيجه لأنقلاب حماس المبارك والطاهر , معمل الاعتدال هو الذي يغلق معبر رفح وقد فتحه لينقذ اسرائيل بعد التأكيد للعالم ان الافضل للسفن ان تتوجه الى العريش ولا داعي لأي مواجهه مع الاحتلال سواء سلميه او تظلميه ,

    معمل الاعتدال يشترط للحصول على التضامن الاممي ترك سلاح المقاومه ونبذ حامليه ظنا منه بأن ذلك ذكاء سياسي على طريقة غاندي التي لا تجد التفاف شعبي حولها رغم الثلاثة ملايين في الضفه , الا تعرف لماذا ؟ طبعا ليس لرفض الفكره وانما لفشل القياده هناك بالتواصل الوطني مع الشعب ,

    معمل الاعتدال لا يجيد الا المفاوضات , اما المقاومه بأنواعها فهي بالنسبه له مجرد افكار يتورط بها الشعب لوحده اذا ما صدر بيان من البيت الابيض يبشر بأنفراج هام في عملية السلام ,

    نواة التضامن الاممي من النشطاء الفلسطينيين , هل تعرفهم , هل تعرف بأن قياداتهم ما هم الا رجال عاشقون لحماس , عاشقون للسلاح , عاشقون للشهاده , ومع ذلك ينجحون في لفت الانتباه متعدد الجنسيات للقضيه الفلسطينيه , تنجح المقاومه السلميه عندما تضمن حقنا بالمقاومه المسلحه ,

    سرقه مكشوفه لا تحتاج لخبير في البحث الجنائي ليكتشفها , حماس تجيد كل انواع المقاومه بينما الاعتدال العربي يجيد كل انواع التحايل والنصب والسرقه ,

    لا اعرف ما علاقة المساعدات الاردنيه بموضوع المقاومه السلميه , اتفاقية وادي عربه تحفظ حق الاردن بتقديم الدعم الانساني لمن يحتاجه من طرفي النزاع الفلسطيني والاسرائيلي , وعدم تسليط الضوء الاعلامي على المساعدات الاردنيه يقع ضمن حق اسرائيل في منع الاستخدام السياسي لأي خطوه انسانيه تقوم بها الاردن , لذلك تبقى فائدة المساعدات الاردنيه محصوره بمسارها الانساني دون الاستفاده منها لدعم الفلسطينيين سياسيا , وبالتالي فقد اصبح من الواضح نفي اية علاقه اردنيه بالمقاومه السلميه ,

    نتمنى احترام القراء ,