مزيد من التوازن في فهم السلوك التركي

تم نشره في السبت 12 حزيران / يونيو 2010. 02:00 صباحاً

نقترح مزيدا من التواضع في فهم وتحليل الانعطافة السياسية التركية الجديدة، لأن الظاهرة ما تزال في بداياتها وتنطوي على درجة من التعقيد، ونؤكد أن المبالغة في التعويل على تداعيات ما قد يترتب على هذا السلوك ستوقع الدول بأخطاء استراتيجية وإحراجات. تركيا وقبل تصعيدها الأخير مع إسرائيل كانت على وشك بدء مناورات عسكرية مشتركة معها، ما يعني أن درجة التشبيك العسكري والأمني بين هاتين الدولتين عميقة للغاية. تركيا أيضا ترضخ تحت ضغط هائل من حلفائها في أوروبا وأميركا للاحتفاظ بعلاقات طيبة ومتينة مع إسرائيل، وهي وإن كانت ترتبط مع العرب والمسلمين بالكثير من المشتركات الثقافية والتاريخية، إلا أنها ترتبط مع إسرائيل بعلمانيتها وديمقراطيتها وهواهما الغربي.

كل ذلك وغيره يجعلنا نميل للاعتقاد أن تركيا على الأرجح ليست مقبلة على حالة تحول استراتيجي وانعطافة تاريخية قد تصل لمائة وثمانين درجة، وأنه من الأفضل فهم سلوكها ضمن إطار مسعاها الاستراتيجي للانضمام لأوروبا والإبقاء على تحالفها الراسخ مع الغرب. تركيا على الأرجح تمر بحالة من الغضب من جراء السلوك الاسرائيلي البدائي في التعامل معها ومع عدد من الأحداث الإقليمية، ولكن ذلك سيتبدد بعد أن تعتدل إسرائيل مع تركيا، والأرجح أنها ستعتدل. تركيا في الأغلب ستحتفظ بعلاقات إقليمية متوازنة ولن تميل مع الطرف العربي ضد الإسرائيلي لأن لا مصلحة لها بذلك، داخليا وأيديولوجيا، على الأقل في حالة الحزب الحاكم الحالي.

سلوك تركيا ورئيس وزرائها الحالي مبرر بالنظر لتداعيات الأحداث مع إسرائيل. وقد كان وقع ذلك للآن تزايد مشاعر الكره لاسرائيل بين صفوف الأتراك. نذّكر ان اسرائيل لم تكن محبوبة يوما بين الأتراك، وما فعله أردوغان هو إذابة الثلج لإظهار حقيقة الرأي العام التركي. أما العلاقات الرسمية التركية الإسرائيلية فلن تتأثر بذلك كثيرا، وستعود لحالتها الطبيعية؛ فالبيئة الاستراتيجية الدولية والاقليمية تدلل على ذلك بوضوح.

اسرائيل هي الخاسر الأكبر في الابتعاد التركي عنها، وزيادة شعور المعاداة تجاهها بين صفوف الأتراك لأنه سيمضي بعض الوقت قبل ان يجاهر سياسي تركي بدعمه لإسرائيل في انتخابات او تصويت برلماني. التكلفة الامنية ودرجة الأمان الاستراتيجي في حالة اسوأ الآن بالنسبة لاسرائيل، لا جدال في ذلك، لكن لا ننسى أن إسرائيل تعتاش على ذلك دوليا. وعليه فمن المتوقع أن تستغل سوء أوضاعها الاستراتيجية لكي تقترب من أوروبا وأميركا وتحقق مكاسب استراتيجية وأمنية معهما. إسرائيل ستجدد خطابها الدولي أنها محاطة ببحر من الأعداء في الشرق الاوسط، لذا فالسلام معهم مضيعة للوقت والحفاظ على التفوق الأمني الإقليمي امر لا يمكن التلاعب به أو الانتقاص منه.

أما الدول العربية فهي من جهة مستفيدة سياسيا من التصعيد الإسرائيلي التركي من زاوية القول للعالم إن اسرائيل تخسر أقوى وأرسخ حلفائها الاقليميين بسبب سلوكها الاقليمي المستهتر، ولكن الدول العربية خاسرة من زاوية أنها فقدت دولة تفهم همها السياسي وقضيتها العادلة وقادرة بذات الوقت على التأثير بإسرائيل لأنها ليست على علاقة حسنة معها.

[email protected]

التعليق