تداعيات الخسارة الإسرائيلية الثقيلة

تم نشره في الأربعاء 9 حزيران / يونيو 2010. 02:00 صباحاً

كان محتوما أن تتزايد المطالبات بتخفيف المعاناة الإنسانية للغزيين، حتى مع استمرار الاختلاف مع حماس سياسيا. وقد كان لمأساة أسطول الحرية دورٌ حاسم في تنبيه العالم والإقليم أنّ أسلوب التعامل مع غزة إنسانياً وسياسياً، أمر غير مستدام حتى وإن شكل عند اعتماده خيارا منطقيا.

المأساة تذكِّرنا، أيضا، بصعوبة التفريق أحيانا بين ما هو انساني وسياسي، فالأمران غالبا ما يتقاطعان، بصورة معقدة، لأن الأبعاد الإنسانية للقرارات السياسية، غالبا ما تكون ذات أثر حاسم، وصوتها أعلى من أيِّ منطق سياسي، مهما بلغت حصافته.

هذه التعميمات تصلح، لأن تطلق على أنواع الحصار كافة، لأنّ هذا الأسلوب من أساليب العلاقات الدولية أثبت عدم جدواه، ودلّل أنه وسيلة تعاقب الشعوب، لا الحكومات، لكن في حالة اسرائيل بالتحديد، فالخسارة التي ترتبت على اختلاط السياسي بالإنساني غير مسبوقة على مدار العقود الماضية.

لا يكاد أحد على مستوى الرأي العام العالمي سمع كل الدفوعات الاسرائيلية عن سلوكها في تعاملها مع اسطول الحرية، وقد انحصر التركيز على أن جنودا إسرائيليين مدججين بالسلاح قاموا بمهاجمة مواطنين عزل يحملون مساعدات إنسانية لشعب يجوع في غزة، وقد قتل منهم من قتل لا لشيء ومن دون وجه حق، وبسبب الافراط في استخدام القوة.

النتيجة كانت خسارة سياسية هائلة لاسرائيل حفزت مزيدا من السفن لكي تتوجه لغزة طلبا لمزيد من الانتصار السياسي.

تعامل إسرائيل، الذي وُصف بأنه تعامل "دولة عالم عاشر" وليس ثالثا، مع الحدث ليس بالأدل عليه من اعتراض السفن بالمياه الدولية وليس الاقليمية، وهو من زاوية القانون الدولي على الأقل أمر محسوم بتورط إسرائيل.

الأخطر هو انزلاق كلّ من ايهود باراك وتسيبي ليفني، وهما، على خلاف نتنياهو، يدركان تماما البيئة الدولية، وحساسيتها لمثل هذه السلوكيات، وردة فعل تركيا التي وصلت لدرجة دفعتها للتحدث عن حماس على إنها حركة غير ارهابية، وهي بذلك تعارض مواقف حلفائها الغربيين، انتهاءً بتصريحات لنتنياهو وافق فيها على إمكانية قيام دول أوروبية بمهمة حصار غزة، محاولا بذلك ايقاف خسارة بلاده المعنوية لدى الرأي العام العالمي.

كل هذه المشاهدات تدلل أنّ التداعيات السياسية ستستمر بالتفاعل، وأن وضع غزة لا بد أن يعالج ضمن إطار سياسي استراتيجي شامل، لأن الاستمرار باستراتيجية معاقبة حماس سياسيّاً وعزل ذلك عن الأبعاد الإنسانية المصاحبة ضرب من ضروب المستحيل. هذا هو الدرس السياسي الأساسي، الذي يمكن استخلاصه مما حدث مع أسطول الحرية.

يقال إنّ للنصر ألف أب والهزيمة يتيمة، وهذا تماما ما حدث في تعامل الدول والحكومات مع مأساة أسطول الحرية، بما في ذلك تلك الملتزمة بموقف الرباعية تجاه حماس. فقد خرج علينا معظم سياسيي الاقليم وعلى طريقة ما يطلبه المستمعون بأشد بيانات الاستنكار والتأنيب وأسمعوا بالفعل الشعوب ما تريد ان تسمعه في تجسيد واضح ومعيب لحالة الشيزوفرينيا السياسية السائدة في اقليم الشرق الاوسط.

الحكماء هم من يحولون المصائب لفرص. ونرى أن عليهم أن يجددوا الدعوة للمصالحة الفلسطينية وأن يطالبوا حماس بالتوقيع على الوثيقة المصرية، حتى لو دللت مأساة أسطول الحرية أن حماس ليست بالضرورة مضطرة، لكي تهرول للتوقيع، فهي سياسيّاً مستفيدة من استمرار الوضع الراهن وخاسرة من المصالحة بشكلها الحالية!

mohmmed.momani@alghad.jo

التعليق