حلول اقتصادية لا أمنية!

تم نشره في الثلاثاء 8 حزيران / يونيو 2010. 02:00 صباحاً

لم تكن الدعوات التي نادى بها محللون وكتّاب لإصلاح سوق العمل والتشوهات التي يعاني منها تعني الانتهاء إلى لجنة تغلق مهنا في وجه الوافدين وتفتحها أمام العمالة المحلية، وكأن المسألة بهذه البساطة!

اللجنة التي تشكلت قبل 15 عاما بطلب من رئيس الوزراء، ضمت في عضويتها لاجتماعاتها الأخيرة ممثلين عن وزارة الداخلية والأمن العام والمخابرات وديوان الخدمة المدنية ووزارة العمل وترأسها مدير الجنسية في وزارة الداخلية.

تلك الصورة أقرب إلى المفهوم والهاجس الأمني منها إلى المفهوم الاقتصادي، والمطلوب مرة أخرى أن يجري إصلاح واقع العمالة وتنفيذ عمليات التحول والإحلال بين العمالة الوافدة والمحلية بطرق ذكية يتم من خلالها تغيير نسق التعليم الحالي ودراسة نسبة دوران العمل وقدرات العامل المحلي ومدى مساهمته الحقيقية في النهضة الاقتصادية التي شهدتها البلاد على امتداد العقدين الأخيرين.

انتهت اللجنة إلى توصيات بإغلاق المهن المحاسبية والإدارية والكتابية وأعمال الطباعة والسكرتارية والمقاسم والهواتف وعمال المستودعات، والغريب أن اللجنة أغلقت أيضا أعمال البيع بسائر فئاتها وأعمال الديكور وبيع المحروقات ومهن الكهرباء والميكانيك وتصليح السيارات والسائقين والحراس والمراسلين، في الوقت الذي يبدو فيه البديل المحلي صعبا ونادرا في كثير من تلك القطاعات لاعتبارات موضوعية لا شكلية.

في مقابل ما سبق، كان حريا بالحكومة أن تبدأ في تغيير نسق التعليم، فنحو ثلاثة أرباع الطلاب الذين ينهون التوجيهي بنجاح يتوجهون إلى الجامعات، وهي نسبة لا يوجد نظير لها في كثير من الدول الإقليمية أو حتى على مستوى العالم، فثمة إفراط في التعليم الأكاديمي على حساب تأهيل العمالة الاحترافية، وإذا ما نظرنا إلى المملكة المتحدة فإن عدد الذين يدخلون الجامعات لا يتعدى 15 % من إجمالي الطلاب الذين أنهوا فترة الدراسة في المدارس، وفي حال نجحت الحكومات المحلية ومعها القطاع الخاص في ضبط إيقاع تلك النسبة المفزعة، فإن مشهد العمالة المحلية سيتغير حتما إلى الأفضل.

على الحكومة أن تقرأ أيضا في نسبة دوران العمل لا سيما خلال العامين الأخيرين، فمنذ منتصف العام 2008 إلى منتصف العام الماضي غير نحو 19 ألف عامل محلي نشاطهم الاقتصادي، والمقلق في الأمر أن التغيير تم لصالح مهن ليست ذات صلة مباشرة بالنهوض الاقتصادي، وما يقلق أكثر أن 62 % من تلك العمالة انتقلت من القطاع الخاص إلى القطاع العام، وهو ما يدعو إلى البحث والتحليل في مدى جدية العمالة المحلية ورغبتها بالأساس في العمل.

وفيما تفيد التصريحات الحكومية أن العمالة المحلية تشكل نحو 60 % من إجمالي العمالة في البلاد، فإن الواقع الحالي لا يدلل على صحة تلك النسبة، فثمة عدد يفوق 350 ألفا للعمالة الوافدة بشكل قانوني ويقابلها عدد مماثل لكن بشكل غير قانوني، وهنالك أيضا أكثر
من 55 الف عاملة آسيوية في المنازل، ومع تصاعد نسب دوران العمل بالنسبة للعمالة المحلية فإن النسبة التي تعلنها الجهات الرسمية ليست دقيقة وتحتاج إلى تمحيص.

وجود ملايين من العمال الوافدين في الدول الخليجية، سببه وفرة المال والرفاه في تلك الدول ابتداء، وعدم وجود عمالة محلية تقوم بالمهام التي يقوم بها العمال الوافدون ثانيا، وتشكل نسبة العمالة الهندية والباكستانية والبنغالية نحو 58 % من إجمالي سكان الإمارات، وفي الأردن تشهد نسب العمالة المحلية والوافدة تقلبات لصالح الأخيرة، لكن الحل يكمن في تأهيل العمال الأردنيين وربطهم ببيئة العمل وفق حقوق وشروط أفضل وعدم الاستسلام لفرضية جدوى التعليم الأكاديمي التي باتت شهاداته في كثير منها عبئا على حامليها.

إغلاق 9 مهن من أصل 16 مهنة أمام العامل الوافد إجراء ليس سحريا تتحول بعده طاقة العامل المحلي إلى استثنائية ليعوض ما فاته بسبب تدفق العمالة الوافدة، والمطلوب معالجة اقتصادية بحتة لملف تشوه هيكل العمالة وضعفها وتراجع دورها على المستوى الاقتصادي، أما الشروط الأمنية في اختيار جنسيات الدول للعاملين الوافدين فهي تلحق بالمفهوم الاقتصادي في إدارة هذا الملف ولا تسبقه.

التعليق