مصير اللامركزية بعد قانون الانتخابات

تم نشره في الاثنين 7 حزيران / يونيو 2010. 02:00 صباحاً

أكثر من صديق راجعني يستفسر عن رأيي في مشروع اللامركزية الذي كنت لامسته بمقالتين لم أزد فيهما عن الدعوة إلى التريث في تطبيقه لحاجته لدراسة أكثر عمقاً، ومراعاة التدرج في تطبيقه ضماناً لإنجاحه. فكم من فكرة نظرية صائبة أفرغها التطبيق العملي غير السليم من مضامينها وحرفها عن إصابة أهدافها، وهيأ الطريق لاحقاً للهجوم ليس على نتائج تطبيقها وحسب وإنما على الفكرة نفسها. ما يولد في النهاية مزيداً من الإحباط وفقدان الأمل.

أصعب ما في الأمر أن يكون وراء الاستعجال في تطبيق المشروع محاولة للهروب إلى الأمام كأسلوب للخروج من مأزق عدم القدرة على الإجابة على التراجع في بعض جوانب الحياة العامة. فكثيراً ما تبادر حكومات الدول النامية حيث الديمقراطية ومشاركة المواطنين في صنع القرار ما تزالان في بداياتهما، إلى تقديم وعود مستقبلية تخلصاً من حرج في الوضع القائم لا تستطيع التبرؤ منه أو تفسيره أو تقديم الإجابة عنه.

في السابق كتبت كي أقول أن التدرج في تطبيق فكرة اللامركزية في إدارة شؤون الدولة بالغ الأهمية، وضروري لإنجاح تطبيقها، بل إنه بمثل أهمية اختيار الصيغة المناسبة من اللامركزية لظروف الأردن وخصائصه إن لم يكن أكثر أهمية. ووجدت صعوبة بالغة إن لم أقل استحالة في قدرتنا على تنفيذ اللامركزية عملياً على مستوى المحافظات، ونحن ما نزال غير قادرين على تطبيق أبسط وأولى خطواتها وهي تفويض الصلاحيات فقط وعلى مستوى مركز الوزارة الواحدة وفي ذات المبنى. فما يزال الوزير بعد لا يفوض أياً من صلاحياته الحقيقية إلى أمينه العام وكذلك يفعل الأمين العام مع من هم بعده في المسؤولية مباشرة وهم إلى جانبه في مبنى واحد وغرف متجاورة.

أما الآن فالعودة إلى الكتابة ثانية دافعها قانون الانتخابات النيابية، الذي انتهج تصغير الدوائر وزاد عدد النواب، فأصبح لدينا 120 دائرة انتخابية و 120 نائباً،

وأصبح في اللواء الواحد دائرتان انتخابيتان أو ثلاث وله نائبان أو ثلاثة، وصار لكل 42 ألف مواطن نائب يمثلهم. ففي هذا الواقع الذي وضع النائب في حدود ضيقة من التمثيل، ماذا سيكون عليه الحال بوجود أعضاء مجلس المحافظة الذين سيتم انتخابهم في إطار مشروع اللامركزية وعلى قاعدة الصوت الواحد ومن جميع ألوية المحافظة وبمعدل عضوين أو ثلاثة لكل لواء؟

هل سيكون بعد ذلك للنائب دور في حدود المحافظة يختلف كثيراً عن دور عضو مجلس المحافظة؟ هل سيحصل تداخل في مهام النائب وعضو مجلس المحافظة مما يؤدي إلى تنافس وتضارب في الأدوار واختلال في مسيرة مجلس المحافظة؟ وماذا سينشأ عن تدخل النائب في أعمال مجلس المحافظة؟ أم هل سينقطع النائب إلى دوره التشريعي والرقابي ويحظر عليه التدخل في شؤون المحافظات؟ وإذا كان هذا هو ما سوف يحصل فلماذا يحتاج الأردن إلى 120 نائباً للتشريع والرقابة على الحكومة الذي هو أعلى رقم نسبي في العالم من دون استثناء كما أشرت في مقالة سابقة؟ ثم لماذا تم تصغير الدوائر الانتخابية إلى الحد الذي سيحرج النائب أمام مطالبات ناخبيه للتدخل في القضايا الخدمية؟

بمعطيات التجربة السابقة، وبهذا التمثيل المحدود للنائب سوف يواصل النواب تدخلهم في شؤون الخدمات والإدارة الحكومية وفي مجالس المحافظات حال قيامها، وسوف يحصل نزاع وظيفي وتنظيمي على أرض الواقع، ولن تستطيع مجالس المحافظات أداء الدور المطلوب منها كما يجب. فكيف عندما يجتمع مع ذلك انتقال غير متدرج نحو اللامركزية يقتضي نزع صلاحيات مهمة من مراكز صناعة القرار لصالح مجالس المحافظات؟ ألا يعود النائب بعدها دائم التدخل في هذه المجالس؟

الإنجاز بأسلوب القطعة لا ينفع في حالة العمل العام. فعندما وضع قانون الانتخاب كان من الواجب أن يؤخذ بعين الاعتبار الرؤية التي حددتها الحكومة لمشروع اللامركزية. وعندما يتم الشروع بإقرار مشروع اللامركزية مستقبلاً يجب أن تراعى معطيات قانون الانتخابات الذي أصبح ساري المفعول.

[email protected]

التعليق