عيسى الشعيبي

ماذا في وسع أردوغان؟

تم نشره في الأحد 6 حزيران / يونيو 2010. 03:00 صباحاً

بدت الغضبة التركية المحقة إزاء القرصنة الإسرائيلية الأخيرة في عيون عرب يرسفون تحت مشاعر ساحقة بالعجز والقهر والخذلان، وكأنها سحابة أمطرت بعد طول انحباس في أرض شققها العطش، أو قل وقفة رجولية في زمن عز فيه الرجال، وهو ما عبرت عنه بالفعل مظاهر رفع العلم التركي، والهتافات بحياة السيد أردوغان، والشعارات المهللة بعودة العثمانيين الجدد.

في هذه الأثناء بدا الأتراك المسكونون بكبرياء قومي ومجد تاريخي تليد، يشبهون جيرانهم العرب في كثير من الوجوه، عاطفيين انفعاليين متعجلين، وفوق ذلك مستفزين محبطين كارهين حقاً لإسرائيل، تستبد بهم الخطابة، والرغبة الجامحة في استعادة الدور والمكانة وتحقيق الذات، بعد طول تجاهل واستصغار وتبعية وفقدان حضور فاعل منذ زمن احتضار رجل أوروبا المريض.

لذلك كله، فقد بدا بزوغ نجم أردوغان وسط كل هذه المظاهر الدالة على واقع الضعف والخور والاستلاب، على الأقل لدى العرب، وكأنه خليفة جمال عبد الناصر القادر على تمثل أعمق ما في نبض هذه الشعوب من شوق إلى استعادة الكرامة، واسترجاع الحقوق وأخذ الزمام، وهو ما دفع ببعض الأوساط التي سبق لها أن عقدت اللواء لأحمدي نجاد إلى عقده لحفيد السلطان عبد الحميد.

غير أن السؤال الذي لم يطرح للنقاش الموضوعي بعد هو: ماذا في وسع السيد أردوغان القيام به لملء الفراغ وتعديل كفة الميزان، ومن ثم الانتقال بالمعمعة القائمة من نطاق المواجهة الكلامية البارعة إلى حيّز الأفعال الملموسة القادرة، ليس على إصلاح ميزان الخلل الاستراتيجي في المنطقة مثلاً، وإنما فقط الإجابة عن سؤال المواجهة المحدودة هذه، الجارية في إطار من التصعيد المحسوب سلفاً مع الدولة الممسكة بعصا غليظة في وجه الجميع؟

وهكذا ومع ارتفاع نبرة الخطاب التركي الغاضب غداة القرصنة الإسرائيلية في أعالي البحار، واتساع نطاق المطالبات الشعبية التركية بمعاقبة الدولة العبرية على جريمتها الوحشية ضد المتضامنين الأتراك، ارتفعت سقوف التوقعات لدى القوى الإسلامية بتسعير حدة المجابهة ونقلها إلى مصاف فتح عثماني جديد، إلى حد شطحت فيه آمال هؤلاء بتسيير قافلة بحرية أخرى ترافقها بوارج عاصمة الخلافة، ومن ثم انخراط دولة محمد الفاتح بكامل عدتها وعديدها في المعركة الكبرى الموعودة مع "أبناء القردة والخنازير".

والحق أن أحداً لا يستخف بأهمية التطور الراهن في السياسة التركية، بما في ذلك إسرائيل نفسها التي تتحسب لكل العواقب المحتملة. ولا أحد أيضاً يقلل من الوزن الإقليمي التركي، أو لا يحمل على محمل الجد مدى جدية التحولات المتراكمة منذ نحو عقد مضى على صعيد الخيارات الداخلية والخارجية التركية. إلا أن ذلك كله لا يلغي حقيقة أن دولة النموذج الإسلامي المعتدل دولة راشدة، تزن مصالحها بعيدة المدى بدقة، وتدير أزماتها بواقعية وروح تصالحية، حتى لا نقول نفعية، ولا تخرج عن الطور أبداً.

إذ بالقياس مثلاً مع النموذج الإيراني المأزوم في الداخل والخارج، صاحب الأجندة المثيرة للتحفظ، المصمم على إضعاف العالم العربي لإحكام القبضة الفارسية على مفاصله الأساسية، يبدو النموذج التركي المتصالح مع محيطه مقبولاً ومرحباً به، ليس لأنه يعد بما يعد به أحمدي نجاد من محو إسرائيل عن الخريطة، وإنما لأنه يقدم وساطته بين دمشق وتل أبيب، ويدعم المطالب العربية بقيام دولة فلسطينية مستقلة في حدود عام 1967، ويتمسك بالشرعية الدولية، ولا يلعب لعبة التدخل في الشؤون الداخلية للغير.

بكلام آخر، ليس في وسع السيد أردوغان مع الأسف أن يقدم للمحتفين به أكثر مما يعرضه الآن من خدمات طيبة بالفعل، مؤهلة للبناء عليها، وصالحة للاستثمار في إطار المواجهة السياسية الدبلوماسية الحقوقية الإعلامية المفتوحة على اتساعها، ولكن ليس أكثر من ذلك. فقد تشهد العلاقات التركية الإسرائيلية تدهوراً إضافياً مسيطراً عليه، وقد تنظم الجمعيات الأهلية قافلة إغاثة أخرى، إلا أنها ستظل سلمية الطابع، طالما بقيت أنقرة راغبة في القيام بالدور الإيجابي الانفتاحي الذي انتدبت نفسها له.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وين مربط خيلنا ؟؟؟ (عماد)

    الأحد 6 حزيران / يونيو 2010.
    استاذ عيسى
    اعتقد انك في هذا المقال تضع النقاط على الحروف .

    ولاننامن بني يعرب الذين ينتمون الى هذه القارة العربية النائمة في ظل ( البحبوحة الاقتصادية والاجتماعية والكرامة الوطنية والقومية ) ولاننا ممن لا( يرسفون تحت مشاعر ساحقة بالعجز والقهر والخذلان )، لاننا كذلك اجزم ان اية دعوة للتريث في الحكم على الامور ستكون دعوة مرفوضة وسيتم تصنيفها فورا ( على طريقة الخمسينات والسيتينات ) بالانهزامية والانبطاحية وغيرها ، لا بل قد يتم رجم صاحبها بالحجارة !!!

    دير بالك على راسك يا صاحبي !!
  • »مش فاهم (شب)

    الأحد 6 حزيران / يونيو 2010.
    انت شو اللي بدك اياه احكيلنا اياه بصراحة
  • »الهجوم المضاد (وليد)

    الأحد 6 حزيران / يونيو 2010.
    لقد بدأ الهجوم الاسرائيلي المضاد بشكل غير مباشر على تركيا:

    1- العملية العسكرية الكردية على ميناء الاسكندرون

    2- دعوة البابا من قبرص للتشديد على تركيالحل المشكلة القبرصية

    3- ازدياد الاصوات المنددة بما يسمى الابادة الجماعية للأرمن

    4- ازدياد الاصوات المنددة لانضمام تركيا للاتحاد الاروبي

    وأنا واثق من أننا سنسمع عن المزيد قريبا
  • »تركيا لن تفعل الكثير (أردنية)

    الأحد 6 حزيران / يونيو 2010.
    تركيا لن تفعل الكثير فهي تعتبر نفسها حليفا لاسرائيل، وهذا ما يصرح به مسؤوليها. لذا يجب أن لا نتوقع منها أكثر مما صدر عنها للآن، وهو الكلام فقط.
  • »تركيا دولة أولا وآخرا. (طارق عمرو)

    الأحد 6 حزيران / يونيو 2010.
    أشكر للكاتب عيسى الشعيبي مقاله في (الغد:6/6/2010) بعنوان:"ماذا في وسع أردوغان؟ وأعقب قائلا:ان في وسع أردوغان وتركيا وأية دولة أخرى كايران ومصر،أن يفعلوا الكثير الكثير؛لكن واقع الحال أن الدولة المعاصرة تحكمها مجموعة من المحددات السياسية والاقتصادية والأمنية والاستراتيجية عموما؛الأمر الذي يجعلها تفكر جيدا قبل الايغال في استعداء محيطها وحرق سفنها مع الدول التي ترتبط معها بمعاهدات عسكرية وأتفاقيات أمنية وتحالفات استراتيجية!
    تركيا-بالضرورة- لا تنوي الانتحار السياسي:ان بوجود الاحزاب القومية العلمانية أو بوجود حزب العدالة الاسلامي في سدة الحكم؛فهي دولة ذات وزن سياسي واقتصادي وعسكري وذات وزن اقليمي يدعوها لأن تزن مجريات الحالة السياسية بمقياس المصلحة العليا لتركيا-وهذا حق من حقوقها- وان لم يشكل هذا السلوك أقصى ما يطمح اليه الفلسطينيون ومعهم العرب والمسلمون أو حتى أدنى مطمح.
    تركيا تريد أن يكون لها دور في دنيا العرب ولا حرج في ذلك مادام هذا الدور يخدم قضايانا ولا يتلاعب بمشاعرنا ولا يدغدغ عواطفنا.
    تركيا لم تقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني ،ولم تطرد سفيرهم،ولم تحشد جيوشها-الجيش التركي هو رابع أقوى جيش في الدنيا- لمحاربة الدولة العبرية من البحر الى النهر أو أدنى من ذلك ،ولم تعدنا بالأندلس المفقود،ولا بالقضاء على اليهود! الدولة التركية-بوجود العلمانيين أو الاسلاميين-دولة تحكمها مصالحها،وتحفظ درسها جيدا،ولكن من محاسن نظامها الحالي،انها أسعدتنا بنطقها خيرا اذ لم يسعف الحال.
    طارق عمرو
    tareqamr@yahoo.com
  • »شكرا سيد شعيبي (محمود رحال)

    الأحد 6 حزيران / يونيو 2010.
    انا بوافقك سيد شعيبي بشكل تام.
    انا اعتقد ان المراهنة على ايران او تركيا هي مراهنة خاسرة لحل القضية الفلسطينية.
  • »تركيا والقوى الإسلامية (امجد ابوعوض)

    الأحد 6 حزيران / يونيو 2010.
    القوى الاسلاميه لم تأمل بحرب تركيه اسرائيليه , واردوغان رئيس دولة مؤسسات , والمؤسسات هي التي تعرف كيف ترد على الجريمه , ولكن ان تصل لغة الكاتب لتنتقد الغضب الشعبي التركي وتتهكم على حقه في الظهور على حناجر وصور الاتراك في مظاهراتهم فلا يمكن للعقل السامع الا اعتبار ذلك تمادي واعتداء على الفطره ,

    ان نرفع العلم التركي لا يعني ابدا ان نبايع اردوغان كقائد ملهم مهمته دحر الاحتلال , وان نرى في ايران (المشكلجيه) مركزا لاقلاق راحة العدو الصهيوني لا يعني اننا بايعنا نجاد ,
  • »بدأت أشعر بتغير في موقف الكاتب من تركيا! (خالد السلايمة)

    الأحد 6 حزيران / يونيو 2010.
    أسعد الله صباحك أخي الكاتب

    في السابق كتبت حضرتك مقال تستخف بالمواقف التركية من العرب بشكل عام

    أما اليوم, ومع أنك تخفف من قدرة تركيا على فعل الكثير من أجل فلسطين, إلا أنني أحس من مقالك أنك تقر و تعترف بأن تركيا 2010 تختلف تمامآ عن تركيا 2000 في التعامل مع فلسطين و في التعامل مع العرب. و هذا جيد

    أود أن أضيف أنه يا أخي الكريم, أنا لست من دعاة التحولات السريعة و الغير محسوبة في السياسة. يعني أنا أريد من إردوغان أن يحسب خطواته جيدآ لأن تركيا ما زالت بحاجة إلى المزيد من الوقت لتزيد من قوتها العسكرية و الإقتصادية. و أنا لا أريد أن يتكرر معنا نموذج صدام حسين مرة أخرى! صدام لم يكن يحسب حساب خطواته و لكنني أرى أن إردوغان يحسب كل خطواته و هذا جيد.

    الأمر الأخير و الذي أود أن أشير له, يبدو أن كل المشككين في الدور التركي يعتقدون أنه إذا أردنا من تركيا أن تحرر فلسطين, فعليها فعل ذلك اليوم و ليس غدآ , و إلا فإن ما تفعله تركيا لا يعني شيئآ!! الجميع يعلم أن هكذا أمر يتطلب الإعداد و الإستعداد و هذا يحتاج إلى وقت و جهد و طاقات و قدرات, و لكن المهم ان الأمل ينبعث من جديد بأن الغد المشرق قادم لا محالة.

    إصبر أخي الكاتب و ستري من حفيد السلطان عبد الحميد ما يسر قلبك و خاطرك....هذا الرجل لم يأتي على ظهر مستعمر و لا على ظهر دبابة, بل جاء بإنتخابات حرة و نزيهة ممثلآ لشعب حكم العالم و دافع عن فلسطين حتى الرمق الأخير....يقول الله عز و جل "و بشر الصابرين".
  • »تركيا تتحرك بقوة (مهموم)

    الأحد 6 حزيران / يونيو 2010.
    سيدي الكاتب
    مصطلح "الجدد" ارتبط بما هو سيء وحتى لا يرتبط هذا المعنى بالاتراك فيجب ان لا نستخدم هذا المصطلح لوصفهم.

    تركيا مكبلة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية بعهود ومواثيق مع الغرب والكيان الصهيوني تجعل من اي خطوة تتخذها تحتاج الى جهد مضاعف اضعاف كثيرة عما نحتاجه نحن "اصحاب الحق" .

    الاتراك يا سيدي ليسوا حالمين انما هم يدركون اختلال الموازين الدولية وان امريكا في طور الشيخوخة وهم بحاجة ان يأخذوا مكانهم في المنطقة.

    المصيبة اننا لا ندرك الى الان ان امريكا في طور الانهيار. الديون الامريكية تجاوزت ال 13 ترليون دولار منذ اسبوع. وحتى يفهم القارئ معنى ذلك عليه ان يتصور ان 90% من الدخل القومي الامريكي يذهب لتسديد فـــــوائــــد ديونها. والعجز في ازدياد. ايران تفهم هذا وتتحرك، تركيا تفهم ذلك وتتحرك. ونحن لا نزال نتبع سياسة استقبل وودع وشجب وعزم وشيع.

    ان تركيا تنظر بصدق الى القضية الفلسطينية لسببين. الاول ان فلسطين مصلحة اسلامية و الثاني ان فلسطين مصلحة قومية تركية.

    اما بالنسبة لاردوغان فاعتقد ان جل ما يسعى اليه هو خدمة امته وان يتذكره الاتراك كما يذكرون محمد الفاتح