ثابت الديموغرافيا

تم نشره في الأحد 23 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

أربعة ثوابت بارزة في مسيرة البشرية عبر تاريخها. التغير سنَة تطور الحياة وتبدل أوضاعها من حال إلى حال، والاختلاف (نقيض التماثل)، والخلاف (نقيض التوافق)، والديمغرافيا ويمثلها الإنسان وامتداده المادي والثقافي على الأرض التي يعيش عليها.

الديمغرافيا صانعة المجتمعات، ومنشئة الدول. تزول الدول لكن الديمغرافيا من حيث هي كينونة تبقى من الثوابت. عنوانها الإنسان وارتباطه بالأرض التي عاش عليها والثقافة التي نشأت عن ذلك. فكل من تجاهل الديمغرافيا أصبح عابرا، وتبقى هي على ثباتها تفاجئ على السواء ناكريها والمتنكرين بها.

تخلق الدول لنفسها مصالح جديدة ترى فيها مجالا حيويا لمستقبلها. وتتوسع أفقيا على حساب دول أخرى، وتتوسع عموديا فتضيف نفوذا على نفوذ. وتصبح دولا كبرى وإمبراطوريات، ويبدو في لحظات صعود الدول كما لو أن خصوصية الديمغرافيا قد تلاشت. فما إن تبدأ الدول رحلة أفولها حتى تطل خصوصية الديمغرافيا من جديد، تتمايز بها مجموعات الناس على أساس عيشهم الذي قام على أرض محددة، عبر تاريخ مشترك، بنوا فيه ثقافتهم الخاصة.

المصالح في المجتمعات والدول كالحريات، من حيث حدودها، فليس هناك مصلحة مطلقة مثلما ليس هناك حرية مطلقة، حيث تنتهي حدود مصلحة طرف عندما تبدأ حدود مصلحة طرف آخر، لتنشأ بعد ذلك مساحة مشتركة لمصالح كل منهما. والخيار مفتوح أمامهما ليجعلا منها مساحات جامعة او مساحات مفرقة تنشأ بسببها حروب المصالح.

المصالح وحروبها تسلب حقوقا وتقهر شعوبا وجماعات. وقد تأتي بشعوب وجماعات إلى حيث لم يكونوا من قبل، أو تخلي أرضا من شعوب وجماعات عاشوا عليها طويلاًً. لكن اقتلاعهم من أرضهم لم يقتلع من ذاكرتهم الجمعية ارتباطهم بالأرض التي ولدوا فيها، ونشأوا عليها، ونسجوا ثقافتهم في أجوائها.

تقدم الديمغرافيا نفسها بأنصع صورها كقوة للحق في مواجهة باطل القوة. لم تعترف للإغريق ببلاد الفراعنة، ولا للفرس ببلاد ما بين النهرين، ولا للرومان ببلاد الشام، ولا للعرب بإسبانيا، ولا للمغول والتتار ببلاد العرب حتى بعد ان أسلموا، ولا للصليبيين من بعدهم، ولا للإمبراطورية العثمانية كذلك، ولا للغرب بالبلاد التي ابتليت باستعماره، ولا لبريطانيا بالأراضي التي كانت لا تغيب عنها الشمس، ولا لليابان في احتلالها للصين، ولا للولايات المتحدة في دول أميركا الجنوبية التي أرادتها جمهوريات للموز، ولا لفرنسا في استيطانها في الجزائر، ولا للاستيطان الأبيض والفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

الأفارقة الذين اقتيدوا الى أميركا وأوروبا ليكونوا عبيدا، لم يعودوا عبيدا فيها اليوم. الديمغرافيا التي قهرت محاولات اجتثاثهم من أرضهم هي نفسها التي حفظت لهم ثقافتهم في البلاد التي اختطفوا إليها. والمستعمرون البيض الذين جاؤوا الى الجزائر وجنوب إفريقيا مستوطنين دحرتهم الديمغرافيا الجزائرية والإفريقية.

اليهود الذين جاؤوا من شتات الأرض إلى فلسطين، لا تزال الديمغرافيا أخطر ما يواجههم من تحديات داخل الدولة التي أقاموها. وهي كذلك أخطر تحدٍ لهم من حول دولتهم فيما تبقى من أرض فلسطين، ومن حول حولها أيضا في الامتداد الديمغرافي العربي الذي يشكل حاضنة الديمغرافيا الفلسطينية.

akaf.alzoubi@alghad.jo

التعليق