رجل يدعى خالد محادين

تم نشره في الخميس 13 أيار / مايو 2010. 02:00 صباحاً

وقلت إذا ما غيّرت داراً أغيّر ما بي/ فما زال جرحٌ على الاغتراب/ وما زلت في خاطري المتعب/ وما زلت أصلب كل مساء رسالة حب على مكتبي.

وتلك لعمري أبيات شعر "قديمة"، هي ما تبقى في ذاكرة الفتى من أبيات كانت مُستهلاً لبرنامج إذاعي يرعى المواهب الشابة اسمه "أقلام واعدة". ولم تكن تلك الأبيات سوى مُنتخبات من شعر معد البرنامج ومقدمه خالد محادين.

كان ذلك فيما أذكر في نهاية السبعينيات. آنذاك كنا مجموعة فتية فقراء بخيالات مجنّحة، نرعى الكلمات، ننثرها ثم نلمّها ونسوقها بعصي غلاظ على الأوراق قطيعاً داشراً من العشق الطفولي والتأملات الساذجة، قبل أن نرسلها وقد تهذبت وخُطت بأقلام سائلة إلى الإذاعة الأردنية، ليتلقفها رجل لا نعرفه لكننا نعرف حدبه على تلك الكلمات وعلى تجارب أولئك الفتية كأم رؤوم. وما كان الرجل ليكتفي بذلك بل كان يبثها كاملة بصوته الرخيم بالغ الجمال والتميز، مردوفة بتقويم نقدي هو لعمري من أجمل ما قد يسمعه فتى في عمري آنذاك.

ذات مرة ربط نصا كتبته بزكريا تامر، وما كان الفتى الذي كنته آنذاك ولمّا يتعدى الرابعة عشرة من عمره بعد، يعرف من هو زكريا تامر، فمكتبة المدرسة الإعدادية وبعدها الثانوية في ذلك المخيم الفقير لم تكن تعرف هذا النمط من الكتّاب والكتابة وكذا المكتبة الوحيدة التي كانت تبيع الكتب في المخيم كله.على نحو غامض كان الفتى يشعر أن الرجل ينظر إليه بعينيّ محبته ويرعاه، فما بعث نصاً إلا بثه الرجل بصوته الرخيم الذي ما يزال يرن على نحو أخّاذ في آذان الفتى وقد أصبح رجلاً الآن وسئم من الكتابة نفسها ومن غواياتها المُهلكة، لكنه مع هذا وذاك ما يزال يستعيد نشوة وزهو أن يكون كاتباً آنذاك. وذاك ما منحه إياه ذلك الرجل من دون سواه بتعليقاته على نصوصه التي لا أخال إلا أنها ساذجة بعد هذا العمر الطويل.

تجاور الفتى والرجل/الشاعر في بلاد واحدة، وربما عاشا زمناً تحت سماء المدينة نفسها التي تعرّش فوق الجبال كآلهة قديمة، لكنهما لم يلتقيا.

في قرارته.... كان الفتى يخشى نزعاته الأوديبية الحادة في بداية مشواره الأدبي. كان يخشى ويحاذر أن يكون عاقّاً وهو الذي كان يسير بخطوات خؤونة على صفحات الصحف والمجلات من دون أدنى شعور بالذنب. فأي أب لنا نحن الكتّاب "الشباب آنذاك"، وأيهم يليق بهذا الشرف؟! لا أحد. كان يردد في قرارته وهو يغص بالغضب من كل شيء ولأي سبب.

ولكن كلا، ما كان الرجل أباً ليُقتل. كان أماً رؤوماً، كان حاضنة من دون تطلّب، منحازاً إلى أنوثة الرحم من دون إدعاء، لكنه رغم ذلك بل ربما بسببه ثوى في قعر عميق وتعرّض لخيانة النسيان، ولا أقصد هنا الجحود وعدم رد الفضل لأصحابه، فذاك ما لا يفعله الفتى بسيد نبيل تختلط صورته بأنوثة الكتابة نفسها وتتماهى.

الآن، بل منذ سنوات قليلة، تعود صورة الرجل الذي لم ألتقه يوماً إلى ذاكرة الرجل الذي غادر ذلك الفتى من دون أن يفترق عنه، وإذ ينظر الرجل في عيني الفتى، وكثيراً ما يفعل في هذا العمر، يرى عينين نديتين لكن حزينتين، ويرى أمهات ذلك الفتى وقد تكاثرن، ويكاد يقرأ في عينيه ما خط بقلمه السائل بحبره الأسود على أوراق كانت وحدها العزاء في كون فقير وأعمى.

الآن، أنظر إليك يا خالد محادين، يا من لم ألتقه يوماً، فأراك بينهن: بين أمهاتي العظيمات الصابرات الراضيات بالقليل. الآن أراك بل أنظر وأحدق في عينيك، بعيني الفتى النديتين، علّك تذكرني يا حزن الجنوبي النبيل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رجل يدعى (عصام الهباهبة)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    اشكرك على المقال الرائع واعدتنا الى اجمل الايام والاحساس وبرنامج الاقلام الواعدة ورحمة مقدم البرنامج محمد الخشمان فنحن اشد ما نكون الى ايام زمان وبساطتها ووحدتنا الفطريةوتحية لكل الرجال الرجال