عام الرمادة في غزة

تم نشره في الخميس 13 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

 لا يراهن الفلسطينيون على ما سوف تتمخض عنه المفاوضات غير المباشرة التي دخلوها مع الإسرائيليين بوساطة أميركية، فقد وافقت المؤسسات التمثيلية للشعب الفلسطيني على هذا القرار مرغمة؛ حتى لا يقال إن الفلسطينيين يعطلون مسيرة التسوية -المعطّلة أصلا- والتي يراهن نتنياهو على فشلها مسبقا، مع إصراره على استمرار الاستيطان في الضفة الفلسطينية والقدس الشرقية.

بجانب عبثية المفاوضات، وعدم جدواها، تتواصل آلام غزة عبر حصارها، وما يجري فيها بحق مليون ونصف المليون من الشعب الفلسطيني، الذي يدفع من دمه وكرامته أثمانا مضاعفة للاحتلال الإسرائيلي وممارساته، إضافة إلى الممارسات غير المفهومة التي تقوم بها حكومة حماس في القطاع، والتي كان آخرها فرض ضرائب ورسوم جديدة على الغزيين، حتى وصلت إلى علبة السجائر.

أن يقسو الاحتلال على غزة، ويستمر في حصارها، وأن تساهم دول أخرى في إدامة هذا الحصار، فهذا شيء يُفسَّر سياسيا على أنه يتناغم مع فرض مشاريع تسوية ترفضها حماس، ويتقاطع مع تعطيل تحقيق المصالحة الفلسطينية، لكن أن تترك حكومة إسماعيل هنية المقالة واجباتها تجاه الغزيين، بل وتشعل أعصابهم بفرض رسوم وضرائب جديدة، فهذا لا يمكن تفسيره إلا باستمرار سياسة التخبط التي تمارسها هذه الحكومة تجاه القطاع وسكانه.

حماس تقول إنها استفتت علماء شريعة قبل فرض الضريبة، وقد أجازوا لها تحصيل الضريبة الإضافية على السجائر.

أن تلجأ حكومة حماس إلى "الشرع" تبريرا للضرائب الجديدة، فهذا سطو جديد على الدين، واستغلال له في قضايا سياسية اقتصادية، وهو محاولة لاحتكار الدين، ونزع شرعيته عن الآخرين.

وأن تُقزَّم القضية وتُحوَّل إلى قضية "علبة سجائر"، ليس إلا، في تجاهل لضرائب أخرى مستحقّة، فهذا سلخ تعسّفي للقرار عن سياقه السياسي والاجتماعي، وخطوة هروب إلى الخلف تارة، وإلى الأمام تارة أخرى، وهو أمر يدل على تخبط في استصدار القرارات ورعاية شؤون البشر.

لا يختلف اثنان على أن الحصار الإسرائيلي- الأميركي للقطاع أربك حكومة هنية الأولى، وشلّ قدرتها على تنفيذ خطتها الاقتصادية، إلا أن هذا لا يعفي الحكومة من مسؤولياتها، خاصة أنها اكتفت بالمواقف اللفظية في إدانة الحصار، من دون أن تبحث عن مخرج للأزمة التي عانتها أيضا مناطق السلطة في الضفة الفلسطينية، وارتكبت في هذا السياق أخطاء زادت من حجم مسؤولياتها؛ حيث أثقلت مالية السلطة بتوظيف أكثر من 18 ألفا من محازبيها، في الإدارات والوزارات والمؤسسات الأمنية، وبررت ذلك بأنها لم تأخذ في السابق فرصتها في التوظيف في مؤسسات السلطة، عبر منطق يعكس عقلية المحاصصة بشكل واضح.

بعد لجوء حماس إلى الحسم العسكري، دخل القطاع مرحلة جديدة، استقرت في الفترة الأخيرة على مظاهر اجتماعية شديدة الخطورة، فهناك حوالي مئة ألف فلسطيني مشردين بلا مأوى بفعل العدوان الإسرائيلي.

البطالة إلى ارتفاع، وقاعدة الفقراء إلى اتساع، وتجارة الأنفاق مزدهرة، في ظل الحصار المفروض على القطاع، ومع هذه التجارة ازدهرت قيم وتقاليد ومفاهيم مماثلة، أدت إلى مزيد من الإفقار لعموم الناس من جهة، وإلى ترجيح لكفة الغنى والثراء لفئة قليلة ذات نفوذ سياسي ومالي واقتصادي وأمني؛ في الوقت نفسه.

في ظل هذه الأوضاع جاءت قرارات حكومة هنية بفرض ضرائب جديدة طالت جوانب عديدة من حياة البشر، ولم تقتصر على علبة السجائر. وإذا كانت الشريعة تتيح للحكومة فرض هذه الضرائب، فإن تاريخ الإسلام، وخاصة أيام الخلفاء الراشدين، حافل بأمثلة واضحة تظهر كيف تعاملت الشريعة مع أوضاع اقتصادية شبيهة بأوضاع القطاع. فالشريعة أساسا في خدمة الإنسانية، وليست في خدمة الحاكم والحاكمية.

عمر بن الخطاب في عام الرمادة علق تطبيق بعض الحدود عن المسلمين، تضامنا مع الأوضاع الصعبة التي كانت تمرّ بها الأمة. هذه هي الشريعة التي نريد أن نستند إليها، والتي تحافظ على حياة البشر وتعلي كراماتهم.

osama.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المشكلة ليست في الضرائب (hasan)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    كل مشكلة الكاتب العزيز في حجج حماس لفرض الضرائب. اسمحلي اخبرك إنو في ضرائب في العالم العربي بدون حجج وبدون وجه حق. بس ياريت كان خبرنا الكاتب العزيز يلي على ما يبدو إنو مطلع على هموم غزة الداخلية العميقة؛ وين بتم صرف هاي الضرائب المحصلة. هل في بيوت بع المسؤلين أو باستثمارات بعضهم في الداخل و الخارج أم في حساباتهم السرية في بنوك سويسرا.

    ألا يكفي الغزيين العازة ليتم الضرب بهم وبوحدتهم.
    يلي عندو خير يحكيه أو ليصمت...
  • »كلام مجاف للحقيقة (سيف آل خطاب)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    استوقفتني نقطة في مقالة الاستاذ اسامة الرنتيسي يقول فيها ان حماس لجات الى الحل العسكري .. حتى يخيل للقاريء بان حماس هي المعتدية وان خيارها الاول كان هو الحل العسكري
    حماس كانت هي صاحبة السلطة والسيطرة في القطاع وهي من كان يمسك بزمام الامور .. اما الاخرون فهم الذين ثارو على الشرعية وتعدو على القانون فماذا كنا نتوقع من حماس ؟!!
    ان ترفع الراية البيضاء وتترك الحبل على الغارب لهؤلاء الخارجين عن الشرعية ؟؟؟!
    طبعا كان من واجبها مواجهة التمرد ولو بالقوة حفاظا على هيبة الحكومة ومؤسساتها وكينونتها
    وصبرا ال غزة .. فان النصر قريب باذن الله
  • »ما الحل؟ (saad)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    هل الحل برأي الكاتب ان تسلم حماس الى سلطة دايتون وشروط الرباعية وابتزاز امريكا واسرائيل وتنخرط في المفاوضات العبثية حتى ترضى عنها وتعتبرها حركة ناجحة، انكم قوم لا تصبرون، اما سمعت بقول رسول الله لصحابته الكرام حينما كانوا يعانون الامرين في مكة واستعجلو النصر فقلا لهم النبي عليه الصلاة والسلام( والله ليتمن الله هذا الامر حتى تسير الظعينة من صنعاء الى المدينة لا تخشى الا الله والذئب على الغنم ولكنكم تستعجلون)، انتم لا تردون الصبر على البلاء والمحن كما صبر نبيا عليه السلام فلكم ما تريدون ولكن اتركوا غيركم ليعيش كما يحلو له
  • »وكأنك في غزه! (امجد ابوعوض)

    الخميس 13 أيار / مايو 2010.
    يستخدم كاتب المقال جملا واتهامات وكأنه يعيش في قطاع غزه , تأكد من مصادر معلوماتك سيدي قبل ان تكتب مقالا بصيغة اليقين غير القابل للشك ,