محمد برهومة

لم تبدأ مشاكلنا العام 1948

تم نشره في الأربعاء 12 أيار / مايو 2010. 02:00 صباحاً

في تاريخ (19/10/2009) كتب يوآن برومر في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية: "إن الديمقراطية في دول الشرق الأوسط هي العدو الأول لإسرائيل". وأضاف: "كلما ضربت نظم الحكومات الديمقراطية في الشرق الأوسط جذورها اهتزت مكانة إسرائيل". هذا استهلال أكثر جدوى ربما عند الحديث عن الذكرى الثانية والستين لنكبة فلسطين.

لا شك أنّ الرقم 62 رقم مثير للحنق والغيظ، فهو عمر ثقيل ومديد من ضياع الحق الفلسطيني والعربي، وتمدد الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني، وممارساته الغاشمة ضد الأرض والإنسان والمقدسات. وليس تقليلا من قبح الاحتلال وبشاعته وساديته أنْ نقول إن كوارثنا وأزماتنا لا يقف خلفها هذا الاحتلال فقط، ففيها مما صنعناه بأيدينا الشيء الأكثر والقسط الأكبر. وهذا الذي من صنع أيدينا هو الذي يقف، مثلا، خلف حادثة السحل والقتل البشعة في كتر مايا في لبنان، وهو الذي يقف خلف دعوة محامين مصريين (أي من النخبة!) لمصادرة كتاب "ألف ليلة وليلة" بعد ألف عام على تأليفه أو ظهوره.

وما صنعناه بأيدينا هو ما يفسّر لماذا تأخر العرب 52 عاما ليضعوا البرنامج النووي الإسرائيلي على طاولة بحث الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولماذا يكتسب حدث مثل انطلاق المحادثات المباشرة (محادثات التقريب) هذا الضجيج كله وكأنه حدث تاريخي استثنائي، رغم أن كل المؤشرات تدل على أنها ستكون دونما نتيجة. وهذا الذي من صنع أيدينا يفسر أيضا وأيضا لماذا تغيب عنّا شمس الديمقراطية، ولماذا تفقد الانتخابات في العراق ولبنان والسودان... وعندنا في الأردن قيمتها ومعناها وكأنها ما أُجريت.

لم تبدأ مشاكلنا العام 1948. ليس في هذا القول أي تقليل من همجية الاحتلال وبشاعته وبربريته.

فها نحن بعد 62 عاما نبحث عن سلة خياراتنا، فنفاجأ أن السلة فارغة. والسوس الذي ينخر في عظام دولنا ومجتمعاتنا الاحتلال ثمرة من ثماره البائسة. وثمة ثمار أخرى ليست أقل سوءا مثل الفساد والقمع والانقسامات وأبويّة المجتمعات وتآكل صدقية النخب. وحين نقتنع أن فينا نقصا وعيوبا تدعونا للمراجعة ونقد الذات، وتمنعنا من التقدم نحو بناء دول ومجتمعات حديثة وتحقيق النصر على المحتل الغاشم، نكون قد بدأنا مرحلة فرز القمح عن الزوان، واستبعاد الآلام. وهذا الوعي يعيد تعريف القوة ليس بوصفها بُعداً عسكريا بل معرفة وعلما وعدالة وتسامحا وحرية واحتراما للإنسان.

لقد قيل الكثير عن العدو الذي يتجاوز دخل الفرد فيه 25 ألف دولار سنويا، ويتراوح النمو السنوي لديه نحو 3 إلى 5 %، وناتجه السنوي يقدّر بـ150 بليون دولار، وينفق نحو 4.7 % من إنتاجه القومي على البحث العلمي، وأنه سجّل العام 2008 (1.166) براءة اختراع، وهي تفوق حسب اليونسكو ما أنتجه العرب طيلة تاريخهم والتي بلغت 836 براءة اختراع. لقد قيل الكثير عن الجامعة العبرية التي تحتل المركز 64 على مستوى العالم ضمن أفضل 500 جامعة ليس من بينها جامعة عربية، وقيل وقيل.

الخلاصة المتكررة: العدو يستثمر في ضعفنا وتأخرنا وانقساماتنا، وهي أعراض سبقت نكبتنا، وما تزال تمعن في اتساعها وتمددها!

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العبيد لا يصنعون الحرية للآخرين (عمر أبو رصاع)

    الأربعاء 12 أيار / مايو 2010.
    هي قضية الإنسان أولاً، قد يتم حشد عشرات العوامل المساعدة للتنمية دون أن تفلح العملية، والعكس صحيح أيضاً فقد لا تتوفر من تلك العوامل المساعدة أشياء تذكر ومع ذلك تنجح عملية التنمية وتحقق نتائج باهرة، لأن مدى توفر أو غياب العوامل الاقتصادية والثروات يعد عنصر مساعداً ومؤثراً في خطة التنمية إلا أنه ليس العنصر الحاسم الحقيقي، التنمية في جوهرها هي تنمية الإنسان نفسه، فالإنسان المتحضر والمتطور حتى لو بدأ من الصفر مرة أخرى كما حدث لليابان وألمانيا يستطيع أن يستعيد مكانته، والإنسان المتخلف حتى لو توفرت له مختلف عناصر الثروة فتخلفه كفيل بمحقها.
    في العالم الكثير من النماذج الدالة على ذلك، اليابان مثلاً نموذج للنهضة العملاقة بلا موارد اقتصادية باستثناء العنصر البشري مما أثبت أن الإنسان هو جوهر عملية التنمية، علمتنا قراءة التاريخ المعاصر لهذا العالم، أن عملية التنمية هي عملية قياسية تخضع لبرامج الأداء، وأن تحقيق تغير ملموس في مستويات الشعوب القابلة للقياس في مختلف المجالات هي المؤشر الصحيح على النهضة، فحتى معدل الدخل قد يكون مؤشراً مضللاً على أهميته، فالاعتماد على معدل الدخل يفضي إلى نتائج مضلّة إذا ما كان ناجماً عن الثروة طبيعية، أي لا علاقة لها بالمجتمع وبقدراته ومستوى تطوره، لكن هذا العامل إذا تم أخذه بالحسبان وبالاتساق مع المقاييس المختلفة التي تقيس أنظمة التعليم والسياسة والتشابكات القطاعية والعمل المالي والمصرفي والخدمات وحجم الاستثمار ونوعه …الخ تقودنا إلى رؤية صحيحة متكاملة.
    عندما نخضع الدول العربية للمقاييس المقارنة نكتشف بشاعة الواقع، والأهم أننا نكتشف أن الدولة الوطنية دولة الاستقلال الوطني الحديثة فشلت فشلاً ذريعاً في اختبار النهضة والتنمية، الذي من المفترض أنه المبرر الوحيد لوجودها.
    وهنا نتوقف هنيهة، لنشير أن الاستعمار لا يعني فقط سلطة حاكمة أجنبية، الاستعمار يعني إدارة سيئة ومستغلة للبلد، ومن مهازل التاريخ التي ستسطر ضمن دروسه أن دولة الاستقلال الوطني العربية في الغالب الأعم ولنقل منظومة الدول العربية المستقلة فشلت فشلا ذريعاً في التنمية والنهضة حتى من خلال المقارنة القياسية مع إدارة الاستعمار!
    هنا يتبدى لنا حجم الكارثة التي حلت بالعالم العربي للأسف الفادح، فنحن عندما نقول الأداء المقارن، نسأل هل اتسعت الفجوة بين المستعمِر والمستعمَر من الفترة الممتدة منذ الاستقلال إلى اليوم أم ضاقت؟ إذا كان الهامش قد ضاق يمكننا أن نزعم أن مشروع التنمية والنهضة حقق نجاحات، وأما إن كان العكس هو الصحيح فإن دولة الاستقلال تكون قد فشلت في التنمية والنهضة وهو ما حصل بالفعل.
    لماذا فشلت دولة الاستقلال الوطني العربية المعاصرة؟
    الحقيقة الإجابات كثيرة ومتنوعة، لكن الطريف هو أن إسرائيل هي آخرها جميعاً
    نعم آخرها جميعاً، بل الغريب حقاً أنه عربياً كلما اقتربنا من إسرائيل على الخارطة تكون دولنا أفضل وكلما ابتعدنا نحو الأطراف كان الوضع أسوء (أنظر المغرب والسودان والجزائر واليمن)‼!
    ليس صدفة أن 22 نظام عربية فشلت في انجاز التحول الديمقراطي، ولا صدفة أن درجة الشبه بين الدول العربية في مختلف عناصر تخلفها مذهلة بكل المقاييس، لقد أذهلتني درجة التطابق هذه عندما اختلطت بالمجتمعات المغاربية (ماعدا تونس) لأكتشف أن خصائص التفكير المجتمعي وعناصر التخلف والتأخر هي ذاتها، بل أن ممارسات السلطة والمعارضة ومستويات الوعي الديني والسياسي تكاد تتطابق حتى وإن نطقت بلهجات لا يستطيع المشرقي فهمها!
    ما علاقة إسرائيل بتخلف المغرب؟! لست أدري
    وما علاقتها بالحرب الأهلية الجزائرية! كذلك لست أدري
    وما علقتها بتخدير الشعب اليمني بالقات؟! أيضاً لا أدري
    أليست الأنظمة التي ابتكرت الثورة من على صهوة الدبابة والمدفع هي تماماً التي جعلت من إسرائيل شماعة تعلق عليها فشلها، فمن الذي يمنعك من أن تبني تعليماً جيداً واقتصاداً متنامياً متراكماً؟! أليس عجيباً بل ويدعو لوقفة تأمل النظر في النموذج الأردني أفقر الدول العربية للموارد الطبيعية نقول رغم العيوب والمآخذ: أليس عجيباً أن معدلات التنمية فيها أفضل من جميع الدول العربية اللهم إلا بعض دول الخليج العربي؟
    أخيراً في أحد الأيام كانت تسير مظاهرة فلسطينية فيها شبان يرشقون قوات الاحتلال بالحجارة ويطالبون الدول العربية بالتدخل!
    إن المفارقة تكمن في أن الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال هو أكثر الشعوب العربية حرية في التعبير عن نفسه، وأتحدى ويا للمفارقة إذا كان هناك مواطن عربي في الدول العربية المستقلة يستطيع الزعم أنه أكثر حرية من الفلسطينيين في التعبير عن نفسه، علي أن أتذكر دائماً أن العبيد لا يصنعون الحرية للآخرين؟!
    مودتي