محمد أبو رمان

"الوصفة الذهبية": تجديد العقد الاجتماعي

تم نشره في الأربعاء 12 أيار / مايو 2010. 02:00 صباحاً

أحد المراقبين (عن قرب) يصف المشهد السياسي الآن بأنّه أشبه بإشارات ضوئية على تقاطع طرق تعطي جميعها اللون الأخضر، مما يخلق حالة من الفوضى والتداخل، ويشكّل "مُجمّع أزمات" بين المسارات المختلفة، بدلاً من أن تكون متكاملة ومنظّمة، تصبح متضاربة ومتقاطعة!

ذلك الإدراك ليس بعيداً عن "دوائر القرار" اليوم، فلم يعد المسؤولون ينكرون وجود أزمة سياسية ثقيلة، كما كانوا يفعلون سابقاً، بل انتقل الخطاب الرسمي المْغلق (الداخلي) من لغة التقليل والتهوين مما يجري من توترات اجتماعية ونمو للهويات الفرعية إلى حالة مناقضة تماماً مسكونة بالقلق والارتياب.

المشكلة تكمن في أنّ المقاربة الرسمية (إلى الآن) ما تزال تتعامل مع "مجمّع الأزمات" الحالي، بمنطق "القِطْعة" والتجزيء، فتفصل بين أسبابه وشروطه، وتعزله عن السياق الأهم والأخطر، وهو المسار التاريخي للتطور السياسي والاقتصادي الاجتماعي للدولة وعلاقتها بالمجتمع والأفراد.

في المقابل، فإنّ القراءة الدقيقة الكلية للحظة الراهنة تؤدّي بنا فوراً إلى نتيجة مهمة بأنّ "التزاوج" بين المعادلة السياسية والاقتصادية، الذي أطّر العقود السابقة قد استنزف مخزونه، ولم يعد قادراً على إدارة الوضع الراهن، ولا تقديم وصفة ذهبية للمستقبل وخياراتنا الاستراتيجية فيه.

المنبع الرئيس لمجمّع الأزمات يأتي من الفجوة الواسعة بين التحولات الكبرى في المعادلة الاقتصادية والثقافة الاجتماعية وبين المعادلة السياسية التي بقيت على حالها، خلال السنوات السابقة، بل كانت في عُهدة "المنظور الأمني"، مما أصاب القدرات السياسية بحالة من الجمود والضعف، وعدم القدرة على تجديد ذاتها وأدواتها.

في النتيجة فإنّ التعامل الرسمي الحالي مع اللحظة الراهنة بمنطق "التسكين" وشراء الوقت، واللجوء إلى الأدوات التقليدية ليس خياراً جيّداً، ولا يمثّل مفتاحاً مستقبلياً، بقدر ما يؤدّي إلى استدامة الأزمات وترحيلها وتجذيرها.

"الوصفة الذهبية"، التي تفتح الطريق إلى الحلول الاستراتيجية، تتمثل في تجديد العقد الاجتماعي- السياسي بين الدولة والمجتمع والمواطنين.

الخطوة الأولى تبدأ من استعادة الدولة لزمام المبادرة وإعادة ملء "المنطقة الوسطى"، التي تشكّل تقليدياً وتاريخياً المساحة التي تقف عليها الدولة ونخبها، والأرض الصلبة للجماعة الوطنية وخطاب النخبة السياسية المنفتحة.

المشكلة تبدو، حالياً، في أنّ النخب السياسية الفاعلة (حتى تلك التي كانت تدور سابقاً في فلك الدولة) تتجه للوقوف على مناطق الأطراف، وتتبنّى خطاباً إقصائياً أو تشكيكياً تجاه الآخر، يتناغم مع بروز "الهويات الفرعية" ونمو "الهواجس المتبادلة"، تحت وطأة التحولات البنيوية الداخلية، والانتكاسة التي يعاني منها مسار التسوية السلمية، مما يلقي أسئلة حسّاسة على المعادلة الداخلية.

خيارنا الاستراتيجي اليوم يكمن بإعادة تعريف "المنطقة الوسطى"، استناداً إلى توافق سياسي عميق، وتجديد خطاب الدولة، وإعادة بناء النخب القادرة على حمله والدفاع عنه، وإرسال رسائل مطمئنة للمكونات الاجتماعية المختلفة حول المستقبل.

خطاب التجديد والبناء والتوافق هو المؤهّل لمواجهة خطاب الخوف، الذي يزرع الهواجس والشكوك ويحيي "الهويات القاتلة" المتناحرة!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هلا التقينا جميعا فى المنطقة الوسطى? (د. ناجى الوقاد)

    الأربعاء 12 أيار / مايو 2010.
    اشكر الاستاذ محمد ابو رمان على دعوته الى إعادة تعريف المنطقه الوسطى واعتقد يانه بات من الضرورى فى ظل هذه التجاذبات وهذا الجدل الدائر بين النُخب من إيجاد رؤيه وسطيه ترى فى الشئ الواحد ماهو سلبى وماهو ايجابى وتنتقده وتقيمه بموضوعية من اجل التطوير والتعديل وتوافق المواقف بين الاطراف التى قد تبدو مختلفة شكليا ولكنها فى واقع الامر متفقة فى الجوهر الا وهو الحرص على المصلحة العامه ذلك لان الوسطيه ليست ايدلوجيه متزمته بل هى تشكل زؤيا واسعه يستطيع المرء من خلالها رؤية الامور بصورة اكثر وضوحا واعتدالا من مختلف الزوايا كما وفى نفس الوقت تعتبر الوسطيه هى النقيض التام للرؤيه الاحاديه التى نراها تسود حاليا والتى توحى للبعض بانهم وحدهم فقط الذين يحتكرون الحقيقة فى طروحاتهم
    لذا فالوسطيه تعنى الانسجام بدلا من التطرف والحدة فى اتخاذالمواقف ورؤية الواقع كما هو للاستفادة من تجارب الماضى واستشراف المستقيل من اجل مصلحة الجميع بدون استثناء ويتم ذلك عن طريق الجمع بين الانتماء الوطنى والانتماءات المحليةإن وُجدت بدون اى تناقض بين الانتماءين
    فهلا التقينا جميعا فى المطقة الوسطى؟
  • »تحليلك عميق ولكن من يتبناه؟!!!!! (علاء ابوطربوش)

    الأربعاء 12 أيار / مايو 2010.
    نعم هناك خلل فاضح وواضح وقديم في عقدنا الاجتماعي والان بدات مظاهره تطفو على السطح عبر بيانات ومواقف خطيرة من تيارات قد تحرق الاخضر واليابس وهذه الردة الى الفئوية والعشائرية الضيقة التي تراها يا دكتور احد اهم اسبابها قصور الهامات والهمم في حمل احلام الناس وتطلعاتهم والخطاب القطري المقيت الذي شاع في كل الاقطار العربية في السنوات الاخيرة فارتدت الناس الى قطرياتها واليوم ترتد الى عشائريتها وغدا الى افخاذ عشائرها وفي النهاية تقتل ذاتها
    والحديث ذو شجون يا ابا رمان
    تقبل تحياتي