لماذا نجح المالكي في قلب الطاولة على علاوي؟

تم نشره في الأحد 9 أيار / مايو 2010. 02:00 صباحاً

 رغم فوز ائتلاف دولة القانون، الذي يتزعمه نوري المالكي، بالمركز الثاني في الانتخابات النيابية، وبفارق مقعدين فقط خلف القائمة العراقية، الا ان الجميع بمن فيهم المالكي نفسه كانوا ينظرون الى هذه النتيجة على انها خسارة.

وما زاد في صعوبة الموقف السياسي لرئيس الوزراء تلك الصورة التي ظهر بها وكأنه يرفض التنازل عن السلطة ويرفض ما آلت اليه نتائج الانتخابات، وهو الموقف الذي تلقى بسببه سيلا من الانتقادات حتى من حلفائه التقليديين.

بدا للجميع ان المالكي قد دخل نفق الانهيار السياسي، وانه سيدفع غاليا ثمن الطريقة التي تعامل بها مع حلفائه ومنافسيه على حد سواء، حيث وصلت علاقته بالمجلس الاسلامي الاعلى والتحالف الكردستاني الى مرحلة انعدام الثقة، فيما كسب وبكل وضوح عداء التيار الصدري.

ذلك، أعطى انطباعا قويا بأن الفرصة اصبحت مواتية لرئيس الوزراء الاسبق اياد علاوي للعودة الى السلطة، لم لا والقائمة العراقية التي يتزعمها تصدرت نتائج الانتخابات، والقوائم الاخرى بدأت تبدي مرونة في التعاطي معها وتركت الابواب مواربة لتشكيل كتلة برلمانية كبيرة.

كان هذا هو المشهد السياسي العراقي قبل اسابيع، اما اليوم فقد انقلبت الاحوال وتبدلت الادوار مع اعلان تحالف رسمي بين ائتلاف دولة القانون بقيادة المالكي والائتلاف الوطني الذي يضم المجلس الاسلامي الاعلى والتيار الصدري وغيرهما من القوى الشيعية، وبهذا الاعلان فاننا نصبح امام اكبر كتلة في البرلمان، ستشكل الحكومة وفقا للدستور العراقي، حتى لو لم يكن مجموع مقاعدها كافيا لتكوين الاغلبية الا ان هذا التحالف سيكون في موقف تفاوضي قوي جدا وسيتمكن بالتأكيد من الوصول الى اتفاقات مع عدد من الكتل الاخرى داخل البرلمان وعلى رأسها كتلة التحالف الكردستاني، بما يؤمّن الاغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة الجديدة.

لماذا أصبح اياد علاوي والقائمة العراقية في موقف صعب؟ الجواب بأن علاوي وقائمته هم من وضعوا انفسهم في هذه الزاوية الضيقة.

فمنذ ان اعلنت نتائج الانتخابات اخذت القائمة العراقية تتصرف، وكأنها حققت انتصارا كاسحا يتيح لها فرض شروطها على بقية الكتل كيفما شاءت، وبدأ ممثلو القائمة يتحدثون الى الآخرين بنوع من الفوقية غير المبررة متناسين ان الفارق بينهم وبين ائتلاف دولة القانون هو مقعدان فقط لاغير.

وكان في إصرار القائمة العراقية على أحقيتها في تشكيل الحكومة نوع من الغرور السياسي إضافة الى التجاهل المتعمد لنص الدستور العراقي وتفسير المحكمة الدستورية لهذا النص، واخذ قادة العراقية بالتحدث بطريقة توحي بانهم قد شكلوا الحكومة بالفعل، وانهم لا يمانعون من انضمام الاخرين لهم طالما وافقوا على شروطهم.

هذه اللهجة المتعالية كان لا بد وان تزرع نوعا من القلق لدى القوى الاخرى، هذا القلق الذي بدأ بالتحول تدريجيا الى خوف ومن ثم الى ردة فعل ساخطة على طريقة القائمة العراقية في التعامل مع بقية القوى على الساحة السياسية العراقية.

ومن ذلك التصلب في مواقف الكيانات السياسية داخل القائمة العراقية تجاه عدد من القضايا الرئيسية التي تشكل الارضية الاساسية للتفاوض مع الاخرين، وعلى الرغم من ان علاوي نفسه قد ابدى مرونة مقبولة في التعاطي مع مسائل مهمة، مثل الفديرالية وكركوك ومنصب رئاسة الجمهورية، الا ان هذه المرونة لم تكن تمثل الا علاوي نفسه، فيما كانت مواقف شركائه في القائمة العراقية كأسامة النجيفي وصالح المطلق، والى حد ما طارق الهاشمي، متصلبة وغير قابلة للمناقشة من قبلهم، وهو الامر الذي ولد حالة من الاحباط والنفور لدى القوى السياسية الاخرى وخاصة المجلس الاسلامي الاعلى والتحالف الكردستاني، على الرغم من ان هذه القوى قد أبدت استعدادها للدخول في محادثات جادة مع القائمة العراقية بهدف تشكيل الحكومة.

من غير المعقول ان تدخل هذه القوى في تحالف مع القائمة العراقية من دون وجود اية ارضية مشتركة باستثناء الاستياء من المالكي، فهذا السبب وحده غير كاف لتشكيل تحالف حقيقي، وهنا نرى ان علاوي قد دفع ثمن تحالفاته الانتخابية مع الاقرار بأن هذه التحالفات هي التي مكنت العراقية (مع اسباب اخرى) من تحقيق الانتصار النسبي في الانتخابات الاخيرة، الا ان هذه التحالفات نفسها هي التي وقفت عائقا امام امكانية تشكيل تحالفات ما بعد الانتخابات بهدف تشكيل الحكومة.

اما الدور الدولي والاقليمي فيمكن ان يكون سببا ثالثا، حيث ناقض علاوي نفسه عندما انتقد الاخرين لتعاملهم مع القوى الدولية والاقليمية وقبولهم بتدخلها في شأن داخلي كتشكيل الحكومة، الا ان علاوي نفسه هرول باتجاه دول الجوار وحتى دول غير الجوار وسعى الى تدويل قضية تشكيل الحكومة العراقية بطريقة ربما فاقت ما قام به من ينتقدهم، هذا التناقض في السلوك كان عاملا مساعدا لتمكين جبهة ضد داخلية مرتبطة بسياسة المحاور الاقليمية.

كانت محصلة هذه الأسباب مزيدا من التباعد بين القائمة العراقية والقوى الاخرى، ومزيدا من انعدام الثقة، الامر الذي ادى بالقوى الاخرى للبحث عن سيناريوهات بديلة تمكنها من تحقيق مصالحها، وبالتأكيد فان البديل الوحيد المتوفر والمستعد للتفاوض الجاد هو نوري المالكي، وهذا ما كان من خلال اعلان التحالف بين دولة القانون والائتلاف الوطني والذي من المتوقع ان يستقطب آخرين لاحقا. ومع ان هذا التحالف ليس تحالفا صلبا بسبب الخلاف القوي على منصب رئيس الوزراء، الا انه من المتوقع ان يتم الوصول الى تسوية ما بين المتحالفين، وهو الامر الذي سيزيد في صعوبة موقف اياد علاوي الذي بات الان مطالبا بتشكيل تحالف اوسع واكبر لضمان القدرة على تشكيل الحكومة.

ويبقى الامل الاخير لعلاوي وقائمته في ان يرتكب المالكي الاخطاء نفسها، ما قد يؤدي الى فشل التحالف الجديد، ولكنني اعتقد ان المالكي لا يمكن ان يفرط بهذه الفرصة الذهبية وانه مستعد لدفع الثمن المطلوب للبقاء رئيسا للوزراء حتى لو بالتناوب مع شخص آخر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أبداع حتى الثمالة (محمد عساف)

    الأحد 9 أيار / مايو 2010.
    إبدعت صديقي من جديد في وصف الساحة العراقية التي بدأت تصبح من أشد الساحات منافسة ومن أكثرها انقلابا، ليس بسبب ديمقافية الوضع الواقع هناك فحسب بل الجديد في كل يوم هو ما يميز تلك الساحة عن سواها .
    مع أمنايتنا الحارة للشعب العراقي العزيز بوصولهم للوضع المريح
    فألد أعداء الأمس أشد الأصدقاء لليوم بسبب لعبة السياسة التي تجمع الأعداء في خندق سياسي واحد وتشت ما بين الأقارب مقابل الحل السياسي الأنسب